سيد قطب

1957

في ظلال القرآن

« وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون . ولما جهزهم بجهازهم قال : ائتوني بأخ لكم من أبيكم ، ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين ؟ فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون . قالوا : سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون . وقال لفتيانه : اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون » . . * ونجده وهو يدبر - بتدبير اللّه له - كيف يأخذ أخاه . فنلمح الشخصية الناضجة الواعية الحكيمة المطمئنة ، الضابطة الصابرة : « وَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخاهُ : قالَ : إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ . فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ؛ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ : أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ . قالُوا - وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ - ما ذا تَفْقِدُونَ ؟ قالُوا : نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ ، وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ ، وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ . قالُوا : تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ ، وَما كُنَّا سارِقِينَ . قالُوا : فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ ؟ قالُوا : جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ ، كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ . فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ، ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ . . كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ، ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ ، إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ ، نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ ، وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ . قالُوا : إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ ! فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ ، قالَ : أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ . قالُوا : يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ ، إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ ، إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ . قالَ : مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ ، إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ » . . * ثم نلتقي به وقد استوفت المحنة بيعقوب أجلها ، وقدر اللّه أن تنقضي الابتلاءات التي نزلت به وببيته ، وحن يوسف إلى أبويه وأهله ، ورق لإخوته والضر باد بهم ، فكشف لهم عن نفسه ، في عتاب رقيق ، وفي عفو كريم ، يجيء في أوانه ، وكل الملابسات توحي به ، وتتوقعه من هذه الشخصية بسماتها تلك : « فلما دخلوا عليه قالوا : يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر ، وجئنا ببضاعة مزجاة . فأوف لنا الكيل وتصدق علينا ، إن اللّه يجزي المتصدقين . قال : هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون ؟ قالوا : أإنك لأنت يوسف ؟ قال : أنا يوسف ، وهذا أخي ، قد من اللّه علينا ، إنه من يتق ويصبر فإن اللّه لا يضيع أجر المحسنين . قالوا : تاللّه لقد آثرك اللّه علينا ، وإن كنا لخاطئين . قال : لا تثريب عليكم اليوم ، يغفر اللّه لكم ، وهو أرحم الراحمين . اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا ، وأتوني بأهلكم أجمعين » . . * وفي النهاية يجيء ذلك الموقف الجليل الرائع . . موقف اللقاء الجامع ويوسف في أوج سلطانه وأوج تأويل رؤياه وتحقق أحلامه . . وإذا به ينسلخ من هذا كله وينتحي جانبا ينفرد بربه ، ويناجيه خالصا له ، وذلك كله مطروح وراءه : « رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ ، وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ . فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ . تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ » . . إنها شخصية موحدة متكاملة ، بكل واقعيتها الممثلة لمقوّماتها الواقعية في نشأتها وبيئتها . * ويعقوب . . الوالد المحب الملهوف ، والنبي المطمئن الموصول ، وهو يواجه بالاستبشار والخوف معا تلك الرؤيا الواعدة التي رآها يوسف ؛ وهو يرى فيها بشائر مستقبل مرموق ، بينما هو يتوجس خيفة من الشيطان وفعله في نفوس بنيه . فتتجلى شخصيته بواقعيتها الكاملة في كل جوانبها : « إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ : يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ . قالَ :