سيد قطب
1958
في ظلال القرآن
يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً . إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ . وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ ، وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ ، إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ » . ثم نجد هذه الشخصية كذلك بكل واقعيتها البشرية النبوية ، وبنوه يراودونه عن يوسف ثم وهم يفاجئونه بالفجيعة : « قالوا : يا أبانا ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون . أرسله معنا غدا يرتع ويلعب ، وإنا له لحافظون . قال : إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون . قالوا : لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون . فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب ، وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون . وجاءوا أباهم عشاء يبكون ، قالوا : يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب ، وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين . وجاءوا على قميصه بدم كذب ، قال : بل سولت لكم أنفسكم أمرا ؛ فصبر جميل ، واللّه المستعان على ما تصفون » . . ثم نلتقي بهذه الشخصية - بكل واقعيتها تلك - وبنوه يراودونه مرة أخرى على السلوة الباقية له . . أخي يوسف . . وقد طلبه منهم عزيز مصر - يوسف - الذي لا يعرفونه ! في مقابل أن يعطيهم كيلا يقتاتون به في السنوات العجاف ! « فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا : يا أبانا منع منا الكيل ، فأرسل معنا أخانا نكتل وإنّا له لحافظون : قال : هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل ؟ فاللّه خير حافظا وهو أرحم الراحمين . ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم ، قالوا : يا أبانا ما نبغي ، هذه بضاعتنا ردت إلينا ، ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ، ونزداد كيل بعير ، ذلك كيل يسير . قال : لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من اللّه : لتأتنني به إلا أن يحاط بكم . فلما آتوه موثقهم قال : اللّه على ما نقول وكيل . . وقال : يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة ، وما أغني عنكم من اللّه من شيء ، إن الحكم إلا للّه ، عليه توكلت ، وعليه فليتوكل المتوكلون . ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من اللّه من شيء ، إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها ، وإنه لذو علم لما علمناه ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون » . . ثم نلتقي به في فجيعته الثانية . . والدا ملهوفا ونبيا موصولا . . ذلك بعد أن دبر اللّه ليوسف كيف يأخذ أخاه . فيتخلف أحد أبناء يعقوب - صاحب الشخصية الخاصة فيهم ، متوافيا مع سماته التي صاحبت مواقفه كلها في القصة ، مشفقا أن يقابل أباه بعد الموثق الذي آتاه إياه . إلا أن يأذن له أبوه أو يحكم له اللّه - : « فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا ، قالَ كَبِيرُهُمْ : أَ لَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ ، وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ ؟ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي ، أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ . ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا : يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ ! وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا ، وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ . وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها ، وَإِنَّا لَصادِقُونَ . قالَ : بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً ، فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ، عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ . وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ : يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ ! وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ . كَظِيمٌ . قالُوا : تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ ! قالَ : إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ ، وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ . يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ ، وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ . إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ » . .