سيد قطب
1942
في ظلال القرآن
كبيرة في صيانة الجهد البشري من أن ينفق في تأليه الأرباب الزائفة . كي يوجه بجملته إلى عمارة الأرض ، وترقيتها ، وترقية الحياة فيها . وهناك ظاهرة واضحة متكررة أشرنا إليها فيما سبق في هذا الجزء . . وهي أنه كلما قام عبد من عبيد اللّه ، ليقيم من نفسه طاغوتا يعبّد الناس لشخصه من دون اللّه . . احتاج هذا الطاغوت كي يعبد ( أي يطاع ويتبع ) إلى أن يسخر كل القوى والطاقات ؛ أولا لحماية شخصه . وثانيا لتأليه ذاته . واحتاج إلى حواش وذيول وأجهزة وأبواق تسبح بحمده ، وترتل ذكره ، وتنفخ في صورته « العبدية » الهزيلة لتتضخم وتشغل مكان « الألوهية » العظيمة ! وألا تكف لحظة واحدة عن النفخ في تلك الصورة العبدية الهزيلة ! وإطلاق الترانيم والتراتيل حولها . وحشد الجموع - بشتى الوسائل - للتسبيح باسمها ، وإقامة طقوس العبادة لها . . . ! وهو جهد ناصب لا يفرغ أبدا . لأن الصورة العبدية الهزيلة ما تني تنكمش وتهزل وتتضاءل كلما سكن من حولها النفخ والطبل والزمر والبخور والتسابيح والتراتيل . وما تني تحتاج كرة أخرى إلى ذلك الجهد الناصب من جديد ! وفي هذا الجهد الناصب تصرف طاقات وأموال - وأرواح أحيانا وأعراض ! - لو أنفق بعضها في عمارة الأرض ، والإنتاج المثمر ، لترقية الحياة البشرية وإغنائها ، لعاد على البشرية بالخير الوفير . . ولكن هذه الطاقات والأموال - والأرواح أحيانا والأعراض - لا تنفق في هذا السبيل الخير المثمر ما دام الناس لا يدينون للّه وحده ؛ وإنما يدينون للطواغيت من دونه . ومن هذه اللمحة يتكشف مدى خسارة البشرية في الطاقات والأموال والعمارة والإنتاج من جراء تنكبها عن الدينونة للّه وحده ؛ وعبادة غيره من دونه . . وذلك فوق خسارتها في الأرواح والأعراض ، والقيم والأخلاق . وفوق الذل والقهر والدنس والعار ! وليس هذا في نظام أرضي دون نظام ، وإن اختلفت الأوضاع واختلفت ألوان التضحيات . « ولقد حدث أن الذين فسقوا عن الدينونة للّه وحده ، فأتاحوا لنفر منهم أن يحكموهم بغير شريعته ، قد وقعوا في النهاية في شقوة العبودية لغيره . العبودية التي تأكل إنسانيتهم وكرامتهم وحريتهم ، مهما اختلفت أشكال الأنظمة التي تحكمهم ، والتي ظنوا في بعضها أنها تكفل لهم الإنسانية والحرية والكرامة . « لقد هربت أوروبا من اللّه - في أثناء هروبها من الكنيسة الطاغية الباغية باسم الدين الزائف « 1 » - وثارت على اللّه - سبحانه - في أثناء ثورتها على تلك الكنيسة التي أهدرت كل القيم الإنسانية في عنفوان سطوتها الغاشمة ! ثم ظن الناس أنهم يجدون إنسانيتهم وحريتهم وكرامتهم - ومصالحهم كذلك - في ظل الأنظمة الفردية ( الديمقراطية ) وعلقوا كل آمالهم على الحريات والضمانات التي تكفلها لهم الدساتير الوضعية ، والأوضاع النيابية البرلمانية ، والحريات الصحفية ، والضمانات القضائية والتشريعية ، وحكم الأغلبية المنتخبة . . . إلى آخر هذه الهالات التي أحيطت بها تلك الأنظمة . . ثم ما ذا كانت العاقبة ؟ كانت العاقبة هي طغيان « الرأسمالية » ذلك الطغيان الذي أحال كل تلك الضمانات ، وكل تلك التشكيلات ، إلى مجرد لافتات ، أو إلى مجرد خيالات ! ووقعت الأكثرية الساحقة في عبودية ذليلة للأقلية الطاغية التي تملك رأس المال ،
--> ( 1 ) يراجع فصل : « الفصام النكد » في كتاب : « المستقبل لهذا الدين » . نشر « دار الشروق » .