سيد قطب

1943

في ظلال القرآن

فتملك معه الأغلبية البرلمانية ! والدساتير الوضعية ! والحريات الصحفية ! وسائر الضمانات التي ظنها الناس هناك كفيلة بضمان إنسانيتهم وكرامتهم وحريتهم ، في معزل عن اللّه سبحانه ! ! ! « ثم هرب فريق من الناس هناك من الأنظمة الفردية التي يطغى فيها « رأس المال » و « الطبقة » إلى الأنظمة الجماعية ! فما ذا فعلوا ؟ لقد استبدلوا بالدينونة لطبقة « الرأسماليين » الدينونة لطبقة « الصعاليك » ! أو استبدلوا بالدينونة لأصحاب رؤوس الأموال والشركات الدينونة للدولة التي تملك المال إلى جانب السلطان ! فتصبح أخطر من طبقة الرأسماليين ! « وفي كل حالة ، وفي كل وضع ، وفي كل نظام ، دان البشر فيه للبشر ، دفعوا من أموالهم ومن أرواحهم الضريبة الفادحة . دفعوها للأرباب المتنوعة في كل حال . « إنه لا بد من عبودية ! فإن لا تكن للّه وحده تكن لغير اللّه . . والعبودية للّه وحده تطلق الناس أحرارا كراما شرفاء أعلياء . . والعبودية لغير اللّه تأكل إنسانية الناس وكرامتهم وحرياتهم وفضائلهم . ثم تأكل أموالهم ومصالحهم المادية في النهاية . « من أجل ذلك كله تنال قضية الألوهية والعبودية كل تلك العناية في رسالات اللّه - سبحانه - وفي كتبه . . وهذه السورة نموذج من تلك العناية . . فهي قضية لا تتعلق بعبدة الأصنام والأوثان في الجاهليات الساذجة البعيدة . ولكنها تتعلق بالإنسان كله ، في كل زمان وفي كل مكان ؛ وتتعلق بالجاهليات كلها . . جاهليات ما قبل التاريخ ، وجاهليات التاريخ . وجاهلية القرن العشرين . وكل جاهلية تقوم على أساس من عبادة العباد للعباد » « 1 » . والخلاصة التي ينتهي إليها القول في هذه القضية : أنه يتجلى بوضوح من التقريرات القرآنية بجملتها - وهذه السورة نموذج منها - أن قضية الدينونة والاتباع والحاكمية - التي يعبر عنها في هذه السورة بالعبادة - هي قضية عقيدة وإيمان وإسلام ؛ وليست قضية فقه أو سياسة أو نظام ! إنها قضية عقيدة تقوم أو لا تقوم . وقضية إيمان يوجد أو لا يوجد . وقضية إسلام يتحقق أو لا يتحقق . . ثم هي بعد - بعد ذلك لا قبله - قضية منهج للحياة الواقعية يتمثل في شريعة ونظام وأحكام ؛ وفي أوضاع وتجمعات تتحقق فيها الشريعة والنظام . وتنفذ فيها الأحكام . وكذلك فإن قضية « العبادة » ليست قضية شعائر ؛ وإنما هي قضية دينونة واتباع ونظام وشريعة وفقه وأحكام وأوضاع في واقع الحياة . . وأنها من أجل أنها كذلك استحقت كل هذه العناية في المنهج الرباني المتمثل في هذا الدين . . واستحقت كل هذه الرسل والرسالات . واستحقت كل هذه العذابات والآلام والتضحيات . * * * والآن نجيء إلى تتابع هذا القصص في السورة ؛ ودلالته على الخط الحركي للعقيدة الإسلامية في تاريخ البشرية : لقد بينا من قبل في التعقيب على قصة نوح « 2 » أن الإسلام كان هو أول عقيدة عرفتها البشرية على يدي آدم

--> ( 1 ) مقتطفات من الجزء الحادي عشر ص 1754 - 1755 في التعليق على سورة يونس . وهي بذاتها تصلح هنا للتعقيب على سورة هود ! ( 2 ) ص 1882 - 1886 من هذا الجزء .