سيد قطب

1258

في ظلال القرآن

التكريم والرعاية ، يكون هذا المجتمع متحضرا متقدما . . أو بالاصطلاح الإسلامي : ربانيا مسلما . . فأما حين تكون « المادة » - في أية صورة من صورها - هي القيمة العليا . . سواء في صورة « النظرية » كما في الماركسية ، أو في صورة « الإنتاج المادي » كما في أمريكا وأوروبا وسائر المجتمعات التي تعتبر الإنتاج المادي هو القيمة العليا ، التي تهدر في سبيلها كل القيم والخصائص الإنسانية - وفي أولها القيم الأخلاقية - فإن هذا المجتمع يكون مجتمعا رجعيا متخلفا . . أو بالاصطلاح الإسلامي : مجتمعا جاهليا مشركا . . . . إن المجتمع الرباني المسلم لا يحتقر المادة ؛ لا في صورة « النظرية » باعتبار المادة هي التي تؤلف كيان هذا الكون الذي نعيش فيه ؛ ولا في صورة « الإنتاج المادي » والاستمتاع به . فالإنتاج المادي من مقومات خلافة الإنسان في الأرض بعهد اللّه وشرطه ؛ والاستمتاع بالطيبات منها حلال يدعو الإسلام إليه - كما سنرى في سياق هذه السورة - ولكنه لا يعتبرها هي القيمة العليا التي تهدر في سبيلها خصائص « الإنسان » ومقوماته ! كما تعتبرها المجتمعات الجاهلية . . الملحدة أو المشركة . . وحين تكون القيم « الإنسانية » والأخلاق « الإنسانية » - كما هي في ميزان اللّه - هي السائدة في مجتمع ، فإن هذا المجتمع يكون متحضرا متقدما . . أو بالاصطلاح الإسلامي . . ربانيا مسلما . . والقيم « الإنسانية » والأخلاق « الإنسانية » ليست مسألة غامضة ولا مائعة ؛ وليست كذلك قيما وأخلاقا متغيرة لا تستقر على حال - كما يزعم الذين يريدون أن يشيعوا الفوضى في الموازين ، فلا يبقى هنا لك أصل ثابت يرجع إليه في وزن ولا تقييم . . إنها القيم والأخلاق التي تنمي في الإنسان « خصائص الإنسان » التي ينفرد بها دون الحيوان . وتغلب فيه هذا الجانب الذي يميزه ويجعل منه إنسانا . وليست هي القيم والأخلاق التي تنمي فيه الجوانب المشتركة بينه وبين الحيوان . . وحين توضع المسألة هذا الوضع يبرز فيها خط فاصل وحاسم وثابت ، لا يقبل عملية التمييع المستمرة التي يحاولها « التطوريون » ! عندئذ لا تكون هناك أخلاق زراعية وأخرى صناعية . ولا أخلاق رأسمالية وأخرى اشتراكية . ولا أخلاق صعلوكية وأخرى برجوازية ! لا تكون هناك أخلاق من صنع البيئة ومن مستوى المعيشة ، على اعتبار أن هذه العوامل مستقلة في صنع القيم والأخلاق والاصطلاح عليها ، وحتمية في نشأتها وتقريرها . . إنما تكون هناك فقط « قيم وأخلاق إنسانية » يصطلح عليها المسلمون في المجتمع المتحضر . « وقيم وأخلاق حيوانية » - إذا صح هذا التعبير - يصطلح عليها الناس في المجتمع المتخلف . . أو بالاصطلاح الإسلامي تكون هناك قيم وأخلاق ربانية إسلامية ؛ وقيم وأخلاق رجعية جاهلية ! إن المجتمعات التي تسود فيها القيم والأخلاق والنزعات الحيوانية ، لا يمكن أن تكون مجتمعات متحضرة ، مهما تبلغ من التقدم الصناعي والاقتصادي والعلمي ! إن هذا المقياس لا يخطئ في قياس مدى التقدم في الإنسان ذاته . وفي المجتمعات الجاهلية الحديثة ينحسر المفهوم الأخلاقي بحيث يتخلى عن كل ما له علاقة بالتميز الإنساني عن الحيوان . ففي هذه المجتمعات لا تعتبر العلاقات الجنسية غير الشرعية - ولا حتى العلاقات الجنسية الشاذة - رذيلة أخلاقية ! إن المفهوم « الأخلاقي » ينحصر في المعاملات الشخصية والاقتصادية والسياسية - أحيانا في حدود مصلحة الدولة ! - والكتاب والصحفيون والروائيون وكل أجهزة التوجيه والإعلام في هذه المجتمعات الجاهلية تقولها صريحة للفتيات والزوجات والفتيان والشبان : إن الاتصالات الجنسية الحرة ليست رذائل أخلاقية ! مثل هذه المجتمعات مجتمعات متخلفة غير متحضرة - من وجهة النظر « الإنسانية » . وبمقياس خط التقدم الإنساني . . وهي كذلك غير إسلامية . . لأن خط الإسلام هو خط تحرير الإنسان من شهواته ، وتنمية