سيد قطب

1259

في ظلال القرآن

خصائصه الإنسانية ، وتغلبها على نزعاته الحيوانية . . ولا نملك أن نمضي أكثر من هذا في وصف المجتمعات البشرية الحاضرة ، وإغراقها في الجاهلية . . من العقيدة إلى الخلق . ومن التصور إلى أوضاع الحياة . . ونحسب أن هذه الإشارات المجملة تكفي لتقرير ملامح الجاهلية في المجتمعات البشرية الحاضرة . ولتقرير حقيقة ما تستهدفه الدعوة الإسلامية اليوم وما يستهدفه الدعاة إلى دين اللّه . . إنها دعوة البشرية من جديد إلى الدخول في الإسلام : عقيدة وخلقا ونظاما . . إنها ذات المحاولة التي كان يتصدى لها رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وإنها ذات النقطة التي بدأ منها دعوته أول مرة . وإنه ذات الموقف الذي وقفه بهذا الكتاب الذي أنزل إليه ؛ وربه - سبحانه - يخاطبه : « كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ ، فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ ، لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ » . . وفي الوقت الذي وجه اللّه - سبحانه - هذا التكليف إلى رسوله ، وجه إلى قومه المخاطبين بهذا القرآن أول مرة - وإلى كل قوم يواجههم الإسلام ليخرجهم من الجاهلية - الأمر باتباع ما أنزل في هذا الكتاب ، والنهي عن اتباع الأولياء من دون اللّه . ذلك أن القضية في صميمها هي قضية « الاتباع » . . من يتبع البشر في حياتهم ؟ يتبعون أمر اللّه فهم مسلمون . أم يتبعون أمر غيره فهم مشركون ؟ إنهما موقفان مختلفان لا يجتمعان : « اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ، وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ . قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ » . هذه هي قضية هذا الدين الأساسية . . إنه إما اتباع لما أنزل اللّه فهو الإسلام للّه ، والاعتراف له بالربوبية ، وإفراده بالحاكمية التي تأمر فتطاع ، ويتبع أمرها ونهيها دون سواه . . وإما اتباع للأولياء من دونه فهو الشرك ، وهو رفض الاعتراف للّه بالربوبية الخالصة . . وكيف والحاكمية ليست خالصة له سبحانه ؟ ! وفي الخطاب للرسول - صلى اللّه عليه وسلم - كان الكتاب منزلا إليه بشخصه : « كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ » . . وفي الخطاب للبشر كان الكتاب كذلك منزلا إليهم من ربهم : « اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ » . . فأما الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - فالكتاب منزل إليه ليؤمن به ولينذر ويذكر . وأما البشر فالكتاب منزل إليهم من ربهم ليؤمنوا به ويتبعوه ، ولا يتبعوا أمر أحد غيره . . والإسناد في كلتا الحالتين للاختصاص والتكريم والتحضيض والاستجاشة . فالذي ينزل له ربه كتابا ، ويختاره لهذا الأمر ، ويتفضل عليه بهذا الخير ، جدير بأن يتذكر وأن يشكر ؛ وأن يأخذ الأمر بقوة ولا يستحسر . . ولأن المحاولة ضخمة . . وهي تعني التغيير الأساسي الكامل الشامل للجاهلية : تصوراتها وأفكارها ، وقيمها وأخلاقها ، وعاداتها وتقاليدها ، ونظمها ، وأوضاعها ، واجتماعها واقتصادها ، وروابطها باللّه ، وبالكون ، وبالناس . . لأن المحاولة ضخمة على هذا النحو ؛ يمضي السياق فيهز الضمائر هزا عنيفا ؛ ويوقظ الأعصاب إيقاظا شديدا ؛ ويرج الجبلات السادرة في الجاهلية ، المستغرقة في تصوراتها وأوضاعها رجا ويدفعها دفعا . . وذلك بأن يعرض عليها مصارع الغابرين من المكذبين في الدنيا ، ومصائرهم كذلك في الآخرة :