سيد قطب

1215

في ظلال القرآن

وأعلن ضلالهم المطلق في هذه التصورات والمزاعم التي ينسبونها إلى اللّه بغير علم . * ثم لفت أنظارهم إلى أن اللّه هو الذي أنشأ لهم هذه الأموال التي يتصرفون فيها هذه التصرفات . . هو الذي أنشأ لهم جنات معروشات وغير معروشات . وهو الذي خلق لهم هذه الأنعام . . والذي يرزق هو وحده الذي يملك ، وهو وحده الذي يشرع للناس فيما رزقهم من هذه الأموال . . وفي هذه اللفتة استخدم حشدا من المؤثرات الموحية من مشاهد الزروع والثمار والجنات المعروشات وغير المعروشات ، ومن نعمة اللّه عليهم في الأنعام التي جعل بعضها حمولة لهم يركب ويحمل وبعضها فرشا ، يؤكل لحمه ويفرش جلده وصوفه وشعره . . كما استخدم ذكرى العداء المتأصل بين بني آدم والشيطان . فكيف يتبعون خطوات الشيطان ، وكيف يستمعون لوسوسته وهو العدو المبين ؟ ! * بعد ذلك استعرض في تفصيل شديد سخافة تصوراتهم فيما يختص بالأنعام ، وخلوها من كل منطق ، وألقى الأضواء على ظلمات التصورات حتى لتبدو تافهة مهلهلة متهافتة . . وفي نهاية هذا الاستعراض يسأل : علام ترتكنون في هذه التشريعات الخالية من كل حجة ومنطق : « أم كنتم شهداء إذ وصاكم اللّه بهذا ؟ » فكان ذلك سرا تعلمونه أنتم ووصية خاصة بكم ! ويشنع بجريمة الافتراء على اللّه ، وإضلال الناس بغير علم . ويجعل هذا التشنيع أحد المؤثرات المتنوعة التي يستخدمها . . * وهنا يقرر السلطة صاحبة الحق في التشريع . ويبين ما حرمته هذه السلطة فعلا من المطاعم . سواء ما حرم على المسلمين وما حرم على اليهود خاصة وأحله اللّه للمسلمين . * ثم يناقش إحالتهم هذه الجاهلية - الممثلة في الشرك باللّه وتحريم ما أحل اللّه وكلاهما في مستوى الآخر من ناحية دلالته ووصفه الشرعي عند اللّه - على إرادة اللّه وقولهم : « لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ » . . فيقرر أن هذه المقالة هي مقالة كل كافر مكذب من قبل ، وقد قالها المكذبون حتى جاءهم بأس اللّه : « كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا » فالشرك كالتحريم بدون شرع اللّه ، كلاهما سمة المكذبين بآيات اللّه . ويسألهم في استنكار علام تحيلون هذه المقررات التي تقررونها : « قُلْ : هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا . إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ، وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ » ! * ثم ينهي مناقشتهم في هذا الشأن بدعوتهم إلى موقف الإشهاد والمفاصلة - تماما كما دعاهم إلى هذا الموقف في أول السورة في شأن أصل الاعتقاد - مع استخدام نفس العبارات والأوصاف ، بل نفس الألفاظ ، للدلالة على أن القضية واحدة : قضية الشرك باللّه ، وقضية التشريع بغير إذن من اللّه : « قُلْ : هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا ، فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ . وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ، وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ » . . ونرى من الآية إلى جانب وحدة المشهد والعبارة واللفظ ، أن الذين يزاولون هذه التشريعات هم الذين يتبعون أهواءهم . وهم الذين كذبوا بآيات اللّه . وهم الذين لا يؤمنون بالآخرة . فلو أنهم صدقوا بآيات اللّه وآمنوا بالآخرة واتبعوا هدى اللّه ما شرعوا لأنفسهم وللناس من دون اللّه . وما حرموا وحللوا بغير إذن من اللّه . * وفي نهاية الشوط يدعوهم ليبين لهم ما حرمه اللّه حقا . . وهنا نرى جملة من المبادئ الأساسية للحياة الاجتماعية ، في مقدمتها توحيد اللّه . وبعضها أوامر وتكاليف ولكن التحريمات أغلب ، فجعلها عنوانا للكل : لقد نهى اللّه عن الشرك . وأمر بالإحسان للوالدين . ونهى عن قتل الأولاد من الفقر مع طمأنتهم على الرزق .