سيد قطب

1216

في ظلال القرآن

ونهى عن القرب من الفواحش ما ظهر منها وما بطن . ونهى عن قتل النفس التي حرم اللّه إلا بالحق . ونهى عن مس مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده . وأمر بإيفاء الكيل والميزان بالقسط . وأمر بالعدل في القول - في الشهادة والحكم - ولو كان ذا قربى . وأمر بالوفاء بعهد اللّه كله . وجعل هذا جميعه وصية من اللّه كررها عقب كل جملة من الأوامر والنواهي . هذا الحشد كله الذي يتضمن قاعدة العقيدة ومبادئ الشريعة ؛ اللتين تتجمعان هذا التجمع في السياق ، وتمتزجان هذا الامتزاج ؛ وتعرضان جملة واحدة ، وكتلة واحدة ، بصورة لا تخفى دلالتها على من يطالع هذا القرآن على النهج الذي بيناه . . هذا الحشد كله يقال عنه في نهاية الشوط الطويل : « وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ ، وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ . ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ » . . وذلك لإبراز تلك الدلالة المستفادة من السياق كله ؛ وصوغها في تقرير واحد واضح حاسم : إن هذا الدين شريعته كعقيدته في تقرير صفة الشرك أو صفة الإسلام . بل إن شريعته من عقيدته في هذه الدلالة . . بل إن شريعته هي عقيدته . . إذ هي الترجمة الواقعية لها . . كما تتجلى هذه الحقيقة الأساسية من خلال النصوص القرآنية ، وعرضها في المنهج القرآني . . وهذه هي الحقيقة التي زحزح مفهوم « الدين » في نفوس أهل هذا الدين عنها زحزحة مطردة خلال قرون طويلة ، بشتى الأساليب الجهنمية الخبيثة . . حتى انتهى الأمر بأكثر المتحمسين لهذا الدين - ودعك من أعدائه والمستهترين الذين لا يحفلونه - أن تصبح قضية الحاكمية في نفوسهم قضية منفصلة عن قضية العقيدة ! لا تجيش لها نفوسهم كما تجيش للعقيدة ! ولا يعدون المروق منها مروقا من الدين ، كالذي يمرق من عقيدة أو عبادة ! وهذا الدين لا يعرف الفصل بين العقيدة والعبادة والشريعة . إنما هي الزحزحة التي زاولتها أجهزة مدربة ، قرونا طويلة ، حتى انتهت مسألة الحاكمية إلى هذه الصورة الباهتة ؛ حتى في حس أشد المتحمسين لهذا الدين ! وهي هي القضية التي تحتشد لها سورة مكية - موضوعها ليس هو النظام وليس هو الشريعة ، إنما موضوعها هو العقيدة - وتحشد لها كل هذه المؤثرات ، وكل هذه التقريرات ؛ بينما هي تتصدى لجزئية تطبيقية من تقاليد الحياة الاجتماعية . ذلك أنها تتعلق بالأصل الكبير . . أصل الحاكمية . . وذلك أن هذا الأصل الكبير يتعلق بقاعدة هذا الدين وبوجوده الحقيقي . . إن الذين يحكمون على عابد الوثن بالشرك ، ولا يحكمون على المتحاكم إلى الطاغوت بالشرك . ويتحرجون من هذه ولا يتحرجون من تلك . . إن هؤلاء لا يقرءون القرآن . ولا يعرفون طبيعة هذا الدين . . فليقرءوا القرآن كما أنزله اللّه ؛ وليأخذوا قول اللّه بجد : « وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ » . . وإن بعض هؤلاء المتحمسين لهذا الدين ليشغلون بالهم وبال الناس ببيان إن كان هذا القانون ، أو هذا الإجراء ، أو هذا القول ، منطبقا على شريعة اللّه أو غير منطبق . . وتأخذهم الغيرة على بعض المخالفات هنا وهناك . . كأن الإسلام كله قائم ، فلا ينقص وجوده وقيامه وكماله إلا أن تمتنع هذه المخالفات ! هؤلاء المتحمسون الغيورون على هذا الدين ، يؤذون هذا الدين من حيث لا يشعرون . بل يطعنونه الطعنة النجلاء بمثل هذه الاهتمامات الجانبية الهزيلة . . إنهم يفرغون الطاقة العقيدية الباقية في نفوس الناس في هذه الاهتمامات الجانبية الهزيلة . . إنهم يؤدون شهادة ضمنية لهذه الأوضاع الجاهلية . شهادة بأن هذا الدين قائم فيها ، لا ينقصه ليكمل إلا أن تصحح هذه المخالفات . بينما الدين كله متوقف عن « الوجود » أصلا ، ما دام