سيد قطب
1185
في ظلال القرآن
ثم مفاصلة بين رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - والدين الذي جاء به والأمة المسلمة ؛ وبين أولئك الذين يحلون ويحرمون بغير شرع اللّه ؛ ويشترعون لأنفسهم ثم يزعمون أنها شريعة اللّه : « إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ . إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ، ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ » . . هكذا واضحة صريحة : « لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ » . . وفي ختام السياق كله - السياق الذي واجه قضية الشرع والحكم هذه المواجهة بمناسبة تبدو في ظاهرها جزئية - يجيء الإيقاع الشامل لقضية العقيدة بجملتها ؛ ولقضية الدين برمتها . . العقيدة المستكنة في القلب والضمير . والدين الذي يترجم هذه العقيدة إلى نظام ومنهج للحياة : « قل : إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين . قل : إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي للّه رب العالمين - لا شريك له - وبذلك أمرت ، وأنا أول المسلمين . قل : أغير اللّه أبغي ربا وهو رب كل شيء ؟ ولا تكسب كل نفس إلا عليها ، ولا تزر وازرة وزر أخرى ، ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون . وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ، ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم . إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم » . إنها جملة قضايا العقيدة والدين : في الدنيا والآخرة . في المحيا والممات . في العمل والجزاء . في العبادة والسلوك . . كلها يجمعها المنهج الرباني ليعقب بها في ذلك الإيقاع الجليل الرهيب الحبيب ، على قضية الحاكمية والتشريع ، ممثلة في أبسط مظاهرها في الحياة اليومية ومطاعمها ومشاربها ! ذلك أنها هي قضية الألوهية والربوبية في أضخم مجالاتها وأخطر مواقفها . . . . وهذا هو الإسلام . كما يعرضه مصدره الرباني الكريم . . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 112 إلى 113 ] وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ ( 112 ) وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ ( 113 ) الآية الأولى تكملة لفقرة سابقة في السياق - في نهاية الجزء السابع - ومتعلقة بما كان يقترحه مشركو العرب على رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - من الخوارق التي يريدون أن يأتي لهم بها فيصدقوه وما كان من حلفهم باللّه حلفا مكررا مؤكدا أن لو جاءتهم هذه الآيات التي يطلبون إنهم ليؤمنون ! مما جعل بعض المسلمين أنفسهم