سيد قطب

1186

في ظلال القرآن

يشتهون أن لو يجيبهم اللّه إلى ما يطلبون ! ويقترحون على رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أن يسأل ربه هذه الآيات التي يقترحها المقترحون ! والفقرة كلها جاءت هكذا : « وأقسموا باللّه جهد أيمانهم : لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها . قل : إنما الآيات عند اللّه . وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ؟ ونقلب أفئدتهم وأبصارهم - كما لم يؤمنوا به أول مرة - ونذرهم في طغيانهم يعمهون . . ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة ، وكلمهم الموتى ، وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ، ما كانوا ليؤمنوا - إلا أن يشاء اللّه - ولكن أكثرهم يجهلون » . . ولقد سبق الحديث عن هذه الآيات في نهاية الجزء السابع « 1 » . فالآن نتحدث عن الحقائق العامة التي تتناولها هذه النصوص ؛ والتي لم نتعرض لها هناك في تفسيرها : والحقيقة الأولى : هي أن الإيمان أو الكفر . والهدى أو الضلال . . . لا تتعلق بالبراهين والأدلة على الحق . فالحق هو برهان ذاته . وله من السلطان على القلب البشري ما يجعله يقبله ويطمئن إليه ويرضخ له . . ولكنها المعوقات الأخرى هي التي تحول بين القلب والحق ، وهذه المعوقات يقول اللّه - سبحانه - للمؤمنين بشأنها : « وما يشعركم أنها إذا جاءت ( أي الآيات والخوارق ) لا يؤمنون ؟ ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ، ونذرهم في طغيانهم يعمهون » . . فما وقع لهم في أول مرة ومنعهم من الهدى ، يمكن أن يتكرر وقوعه كذلك - بعد نزول الآية - فيمنعهم من الهدى كرة أخرى . . إن موحيات الإيمان كامنة في القلب ذاته ؛ وفي الحق كذلك بذاته ؛ وليست متعلقة بعوامل خارجية . . فيجب أن تتجه المحاولة إذن إلى ذلك القلب لعلاجه من آفاته ومن معوقاته . . والحقيقة الثانية : هي أن مشيئة اللّه هي المرجع الأخير في أمر الهدى والضلال . فقد اقتضت هذه المشيئة أن تبتلي البشر بقدر من حرية الاختيار والتوجه في الابتداء ؛ وجعل هذا القدر موضع ابتلاء للبشر وامتحان . فمن استخدمه في الاتجاه القلبي إلى الهدى والتطلع إليه والرغبة فيه - وإن كان لا يعلم حينئذ أين هو - فقد اقتضت مشيئة اللّه أن يأخذه بيده ويعينه ويهديه إلى سبيله . ومن استخدمه في الرغبة عن الهدى والصدود عن دلائله وموحياته ، فقد اقتضت مشيئة اللّه أن يضله وأن يبعده عن الطريق وأن يدعه يتخبط في الظلمات . . وإرادة اللّه وقدره محيطان بالبشر في كل حالة ، ومرد الأمر كله إليه في النهاية . وهذه الحقيقة يشير إليها السياق في قوله تعالى : « وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ - كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ - وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ » . وفي قوله : « وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى ، وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ، ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا - إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ - وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ » . . كما يشير إليها في آية سابقة على هذه الفقرة في سياق السورة قوله تعالى : « اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ . وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا . وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ، وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ » . .

--> ( 1 ) ص 1169 - 1170 من هذه الطبعة المنقحة