سيد قطب

1184

في ظلال القرآن

والتقاليد ، إنما زينها للمشركين شركاؤهم الذين يشرعونها لهم ليدمروا حياتهم ويلبسوا عليهم دينهم . وتلبيس الدين وتدمير الحياة كلاهما مرتبطان . فإما شرع اللّه فهو الدين الواضح والحياة السليمة ؛ وإما شرع غير اللّه فهو الدين الغامض والحياة المهددة بالردى : « وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم » . . ويتبين أن الشياطين وراء هذا العدول عن شرع اللّه ودينه ، إلى شرع الشركاء ودينهم . وأن الشيطان وهو العدو المبين يقود خطى المشركين إلى الخسران والتدمير : « كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ » . . ويتبين أن التحريم والتحليل - بغير شرع اللّه - هو والشرك سواء . فهو شرك مثله ، وأن إحالة شيء من هذا كله إلى مشيئة اللّه القاهرة هو دعوى يدعيها المشركون في جميع العصور . فقد شاءت إرادة اللّه أن تعطي الناس قدرا من الاختيار تبتليهم به ؛ ومن ثم فلا قهر على الشرك في كل صوره ؛ إنما هو الابتلاء ، وهم غير مفلتين من قبضة اللّه على كل حال . « سيقول الذين أشركوا : لو شاء اللّه ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء . كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا . قل : هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ؟ إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون . قل : فلله الحجة البالغة ، فلو شاء لهداكم أجمعين » . ثم نجد موقفا للإشهاد على أن اللّه حرم هذا الذي يحرمونه ؛ يذكرنا بموقف الإشهاد على قضية الألوهية في أول السورة . . ذلك أنها قضية واحدة في الحقيقة . فمزاولة التشريع مزاولة لخصائص الألوهية . . وهي هي بذاتها القضية : « قل : هلم شهداءكم الذين يشهدون أن اللّه حرم هذا . فإن شهدوا فلا تشهد معهم . ولا تتبع أهواء الذين كذّبوا بآياتنا ، والذين لا يؤمنون بالآخرة ، وهم بربهم يعدلون » . . ويذكرنا التعبير « يعدلون » هنا بأنه هو بذاته اللفظ الذي استخدم في قضية الألوهية في أول السورة . كما ذكرنا في التعريف بالسورة « 1 » . ثم تختم هذه الحملة ببيان أن هذا الذي قرره اللّه في قضية التشريع والتقاليد في الثمار والأنعام والأولاد هو صراط اللّه المستقيم . . ذات التعبير الذي استخدم من قبل في قضية تحريم الذبائح وتحليلها . . كما استخدم بذاته في قضية الألوهية في أول السورة كما ذكرنا في التعريف بالسورة : « وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله . ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون » . ولا ينتهي السياق بهذا الحشد الذي اقتطفنا منه هذه الإشارات . . بل يمضي في طريقه يتحدث عن كتاب موسى الذي جاء لقوم موسى : « تَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ » وعن هذا الكتاب المبارك الذي نزله اللّه ليتبعه المسلمون ويتقوا لعلهم يرحمون . ولتنقطع حجتهم بأن الكتاب قد نزل على اليهود والنصارى من قبل . وأنهم هم لم يجئهم كتاب يفصل لهم كل شيء فيعرفوا ما شرعه اللّه حقا ؛ وما يقال لهم إنه من شرع اللّه افتراء ! يتبع هذا تهديد الذين لا يتبعون ما جاء به رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ويبقون على ما هم عليه من شرائع جاهلية ينسبونها إلى اللّه افتراء عليه ، ويتعللون بطلب الخوارق التي تحملهم على التصديق والاتباع . . تهديدهم بأن هذه الخوارق التي يطلبونها ستكون يوم تجيء هي فصل الخطاب ؛ حيث يتبعها الدمار والهلاك : « هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك ؟ يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا . قل : انتظروا إنا منتظرون » . .

--> ( 1 ) الجزء السابع : ص 1004 - 1015