سيد قطب

695

في ظلال القرآن

التحاكم إليها . . إنما يقبل مثل هذا في مجتمع لا إسلام له ولا إيمان . وكل ما له من الإيمان زعم كزعم هؤلاء ؛ وكل ما له من الإسلام دعوى وأسماء ! أو قد تصيبهم المصيبة من ظلم يقع بهم ؛ نتيجة التحاكم إلى غير نظام اللّه العادل ؛ ويعودون بالخيبة والندامة من الاحتكام إلى الطاغوت ؛ في قضية من قضاياهم . أو قد تصيبهم المصيبة ابتلاء من اللّه لهم . لعلهم يتفكرون ويهتدون . . وأياما كان سبب المصيبة ؛ فالنص القرآني ، يسأل مستنكرا : فكيف يكون الحال حينئذ ! كيف يعودون إلى الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - : « يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا إِحْساناً وَتَوْفِيقاً » . . . إنها حال مخزية . . حين يعودون شاعرين بما فعلوا . . . غير قادرين على مواجهة الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - بحقيقة دوافعهم . وفي الوقت ذاته يحلفون كاذبين : أنهم ما أرادوا بالتحاكم إلى الطاغوت - وقد يكون هنا هو عرف الجاهلية - إلا رغبة في الإحسان والتوفيق ! وهي دائما دعوى كل من يحيدون عن الاحتكام إلى منهج اللّه وشريعته : أنهم يريدون اتقاء الإشكالات والمتاعب والمصاعب ، التي تنشأ من الاحتكام إلى شريعة اللّه ! ويريدون التوفيق بين العناصر المختلفة والاتجاهات المختلفة والعقائد المختلفة . . إنها حجة الذين يزعمون الإيمان - وهم غير مؤمنين - وحجة المنافقين الملتوين . . هي هي دائما وفي كل حين ! واللّه - سبحانه - يكشف عنهم هذا الرداء المستعار . ويخبر رسوله - صلى اللّه عليه وسلم - ، أنه يعلم حقيقة ما تنطوي عليه جوانحهم . ومع هذا يوجهه إلى أخذهم بالرفق ، والنصح لهم بالكف عن هذا الالتواء : « أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ . فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ ، وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً » . . أولئك الذين يخفون حقيقة نواياهم وبواعثهم ؛ ويحتجون بهذه الحجج ، ويعتذرون بهذه المعاذير . واللّه يعلم خبايا الضمائر ومكنونات الصدور . . ولكن السياسة التي كانت متبعة - في ذلك الوقت - مع المنافقين كانت هي الإغضاء عنهم ، وأخذهم بالرفق ، واطراد الموعظة والتعليم . . والتعبير العجيب : « وَقُلْ لَهُمْ . . فِي أَنْفُسِهِمْ . . قَوْلًا بَلِيغاً » . تعبير مصور . . كأنما القول يودع مباشرة في الأنفس ، ويستقر مباشرة في القلوب . وهو يرغبهم في العودة والتوبة والاستقامة والاطمئنان إلى كنف اللّه وكنف رسوله . . بعد كل ما بدا منهم من الميل إلى الاحتكام إلى الطاغوت ؛ ومن الصدود عن الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - حين يدعون إلى التحاكم إلى اللّه والرسول . . فالتوبة بابها مفتوح ، والعودة إلى اللّه لم يفت أوانها بعد ؛ واستغفارهم اللّه من الذنب ، واستغفار الرسول لهم ، فيه القبول ! ولكنه قبل هذا كله يقرر القاعدة الأساسية : وهي أن اللّه قد أرسل رسله ليطاعوا - بإذنه - لا يخالف عن أمرهم . ولا ليكونوا مجرد وعاظ ! ومجرد مرشدين ! « وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ . وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ ، فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ ، لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً » . . وهذه حقيقة لها وزنها . . إن الرسول ليس مجرد « واعظ » يلقي كلمته ويمضي . لتذهب في الهواء - بلا سلطان - كما يقول المخادعون عن طبيعة الدين وطبيعة الرسل ؛ أو كما يفهم الذين لا يفهمون مدلول « الدين » .