سيد قطب

696

في ظلال القرآن

إن الدين منهج حياة . منهج حياة واقعية . بتشكيلاتها وتنظيماتها ، وأوضاعها ، وقيمها ، وأخلاقها وآدابها . وعباداتها وشعائرها كذلك . وهذا كله يقضي أن يكون للرسالة سلطان . سلطان يحقق المنهج ، وتخضع له النفوس خضوع طاعة وتنفيذ . . واللّه أرسل رسله ليطاعوا - بإذنه وفي حدود شرعه - في تحقيق منهج الدين . منهج اللّه الذي أراده لتصريف هذه الحياة . وما من رسول إلا أرسله اللّه ، ليطاع ، بإذن اللّه . فتكون طاعته طاعة للّه . . ولم يرسل الرسل لمجرد التأثر الوجداني ، والشعائر التعبدية . . فهذا وهم في فهم الدين ؛ لا يستقيم مع حكمة اللّه من إرسال الرسل . وهي إقامة منهج معين للحياة ، في واقع الحياة . . وإلا فما أهون دنيا كل وظيفة الرسول فيها أن يقف واعظا . لا يعنيه إلا أن يقول كلمته ويمضي . يستهتر بها المستهترون ، ويبتذلها المبتذلون ! ! ! ومن هنا كان تاريخ الإسلام كما كان . . كان دعوة وبلاغا . ونظاما وحكما . وخلاقة بعد ذلك عن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - تقوم بقوة الشريعة والنظام ، على تنفيذ الشريعة والنظام . لتحقيق الطاعة الدائمة للرسول . وتحقيق إرادة اللّه من إرسال الرسول . وليست هنالك صورة أخرى يقال لها : الإسلام . أو يقال لها : الدين . إلا أن تكون طاعة للرسول ، محققة في وضع وفي تنظيم . ثم تختلف أشكال هذا الوضع ما تختلف ؛ ويبقى أصلها الثابت . وحقيقتها التي لا توجد بغيرها . . استسلام لمنهج اللّه ، وتحقيق لمنهج رسول اللّه . وتحاكم إلى شريعة اللّه . وطاعة للرسول فيما بلغ عن اللّه ، وإفراد للّه - سبحانه - بالألوهية ( شهادة أن لا إله إلا اللّه ) ومن ثم إفراده بالحاكمية التي تجعل التشريع ابتداء حقا للّه ، لا يشاركه فيه سواه . وعدم احتكام إلى الطاغوت . في كثير ولا قليل . والرجوع إلى اللّه والرسول ، فيما لم يرد فيه نص من القضايا المستجدة ، والأحوال الطارئة ؛ حين تختلف فيه العقول . . وأمام الذين « ظلموا أنفسهم » بميلهم عن هذا المنهج ، الفرصة التي دعا اللّه المنافقين إليها على عهد رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم - ورغبهم فيها . . « وَلَوْ أَنَّهُمْ - إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ - جاؤُكَ ، فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ ، لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً » . . واللّه تواب في كل وقت على من يتوب . واللّه رحيم في كل وقت على من يئوب . وهو - سبحانه - يصف نفسه بصفته . ويعد العائدين إليه ، المستغفرين من الذنب ، قبول التوبة وإفاضة الرحمة . . والذين يتناولهم هذا النص ابتداء ، كان لديهم فرصة استغفار الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - وقد انقضت فرصتها . وبقي باب اللّه مفتوحا لا يغلق . ووعده قائما لا ينقض . فمن أراد فليقدم . ومن عزم فليتقدم . . وأخيرا يجيء ذلك الإيقاع الحاسم الجازم . إذ يقسم اللّه - سبحانه - بذاته العلية ، أنه لا يؤمن مؤمن ، حتى يحكم رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - في أمره كله . ثم يمضي راضيا بحكمه ، مسلما بقضائه . ليس في صدره حرج منه ، ولا في نفسه تلجلج في قبوله : « فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ . ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ ، وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً » . . ومرة أخرى نجدنا أمام شرط الإيمان وحدّ الإسلام . يقرره اللّه سبحانه بنفسه . ويقسم عليه بذاته . فلا يبقى بعد ذلك قول لقائل في تحديد شرط الإيمان وحدّ الإسلام ، ولا تأويل لمؤول . اللهم إلا مماحكة لا تستحق الاحترام . . وهي أن هذا القول مرهون بزمان ، وموقوف على طائفة من الناس ! وهذا قول من لا يدرك من الإسلام شيئا ؛ ولا يفقه من التعبير القرآني قليلا ولا كثيرا . فهذه حقيقة كلية