سيد قطب
679
في ظلال القرآن
وأخرج ابن أبي حاتم - بإسناده - عن جابر بن عبد اللّه قال : قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - « ما من نفس تموت ، لا تشرك باللّه شيئا ، إلا حلت لها المغفرة ، إن شاء اللّه عذبها ، وإن شاء غفر لها . . إن اللّه لا يغفر أن يشرك به ، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء » . . وأخرج ابن أبي حاتم - بإسناده - عن ابن عمر قال . « كنا - أصحاب النبي - صلى اللّه عليه وسلم - لا نشك في قاتل النفس ، وآكل مال اليتيم ، وقاذف المحصنات ، وشاهد الزور . حتى نزلت : « إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ » فأمسك أصحاب النبي - صلى اللّه عليه وسلم - عن الشهادة ! وروى الطبراني - بإسناده - عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - قال : « قال اللّه عزّ وجل : من علم أني ذو قدرة على مغفرة الذنوب غفرت له ولا أبالي . ما لم يشرك بي شيئا » . وفي هذا الحديث الأخير لمحة كاشفة . . فالمهم هو شعور القلب باللّه على حقيقته - سبحانه - ومن وراء هذا الشعور الخير . والرجاء . والخوف . والحياء . . فإذا وقع الذنب ، فمن ورائه هذه السمات تؤهل للتقوى وتؤهل للمغفرة . ثم يمضي القرآن - وهو يخوض المعركة بالجماعة المسلمة مع اليهود في المدينة - يعجب من أمر هؤلاء الخلق ؛ الذين يزعمون أنهم شعب اللّه المختار ؛ ويثنون على أنفسهم ؛ ويزكونها ؛ بينما هم يحرفون الكلم عن مواضعه ، ويتطاولون على اللّه ورسوله - كما سبق - وبينما هم يؤمنون بالجبت والطاغوت - كما سيجيء - كاذبين على اللّه في تزكيتهم لأنفسهم ، وفي زعمهم أنهم مقربون إليه مهما عملوا من السوء ! : « أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ ؟ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ ، وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا . انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ! وَكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً » . . ودعوى اليهود أنهم شعب اللّه المختار هي دعواهم من قديم . وقد اختارهم اللّه فعلا لحمل الأمانة وأداء الرسالة ، وفضلهم على العالمين في ذلك الأوان ؛ وأهلك لهم فرعون وملأه ، وأورثهم الأرض المقدسة . . ولكنهم هم انحرفوا بعد ذلك عن منهج اللّه ؛ وعتوا في الأرض عتوا كبيرا ، واجترحوا السيئات التي تضج منها الأرض ، وأحل لهم أحبارهم ما حرم اللّه وحرموا عليهم ما أحله لهم ، واتبعوهم ؛ ولم ينكروا عليهم حق الألوهية هذا الذي ادعوه عمليا - بهذا التحريم والتحليل - وقد بدل هؤلاء الأحبار في شريعة اللّه ، ليرضوا ذوي السلطان والشرفاء ؛ وليملقوا كذلك رغبات الجماهير وأهواءهم . وبذلك اتخذوا أحبارهم أربابا من دون اللّه . وأكلوا الربا . . ووهنت علاقتهم بدين اللّه وكتابه الذي أنزله عليهم . . وعل الرغم من ذلك كله - وغيره كثير - فقد ظلوا يزعمون أنهم أبناء اللّه وأحباؤه . وأن النار لن تمسهم إلا أياما معدودة . وأنه لا يهتدي ولا يقبل عند اللّه إلا من كان هودا ! كأن المسألة مسألة قرابة ونسب ومحاباة بينهم وبين اللّه - تعالى عن ذلك علوا كبيرا - فاللّه لا تصل بينه وبين أحد من خلقه قرابة ولا نسب ؛ إنما تربط عباده به العقيدة المستقيمة والعمل الصالح ، والاستقامة على منهج اللّه . . فمن أخل بهذا فقد غضب اللّه عليه . ويشتد غضبه إذا كان قد آتى الضالين الهدى فانحرفوا عنه ! وما شأن هؤلاء اليهود إلا شأن من يزعمون الإسلام اليوم ، ويحسبون أنهم من أمة محمد - صلى اللّه عليه وسلم - وأن اللّه لا بد ناصرهم ، ومخرج لهم اليهود من أرضهم . . بينما هم ينسلخون انسلاخا كاملا من دين اللّه الذي هو منهجه للحياة ؛ فينبذونه من حياتهم ؛ ولا يتحاكمون إلى كتاب اللّه لا في أقضيتهم ولا في اقتصادهم ، ولا في اجتماعهم ، ولا في آدابهم ، ولا في تقاليدهم . وكل ما لهم من الإسلام أسماء المسلمين ! وأنهم ولدوا