سيد قطب

680

في ظلال القرآن

في أرض كان المسلمون يسكنونها ذات يوم ! ويقيمون فيها دين اللّه ، ويحكمون منهجه في الحياة ! واللّه يعجب رسوله - صلى اللّه عليه وسلم - من أمر أولئك اليهود الذين يزكون أنفسهم . وأمر « المسلمين » المعاصرين أعجب ، وأشد إثارة للتعجيب والتعجب ! ! إنه ليس الناس هم الذين يزكون أنفسهم ؛ ويشهدون لها بالصلاح والقرب من اللّه واختيار اللّه . إنما اللّه هو الذي يزكي من يشاء . فهو أعلم بالقلوب والأعمال . ولن يظلم الناس شيئا ، إذا هم تركوا هذا التقدير اللّه - سبحانه - واتجهوا إلى العمل . لا إلى الادعاء . فلئن عملوا - وهم ساكتون متواضعون في حياء من اللّه ، وبدون تزكية ولا ادعاء - فلن يغبنوا عند اللّه ؛ ولن ينسى لهم عمل ؛ ولن يبخس لهم حق . واللّه - سبحانه - يشهد على اليهود أنهم - إذ يزكون أنفسهم ويدعون أن اللّه راض عنهم - يفترون عليه الكذب . ويشنع بفعلتهم هذه ، ويوجه الأنظار إلى بشاعتها : « انْظُرْ . كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ . وَكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً ! » . وما أرى أننا - الذين ندعي الإسلام لأننا نحمل أسماء المسلمين ، ونعيش في أرض كان يسكنها المسلمون ! بينما نحن لا نجعل الإسلام في شيء من منهجنا في الحياة . . ما أحسبنا ونحن ندعي الإسلام ، فنشوه الإسلام بصورتنا وواقعنا ؛ ونؤدي ضده شهادة منفرة منه ! ثم ونحن ندعي أن اللّه مختار لنا لأننا أمة محمد - صلى اللّه عليه وسلم - بينما دين محمد ومنهجه مطرود من واقع حياتنا طردا . . ما أحسبنا إلا في مثل هذا الموضع ، الذي يعجب اللّه - سبحانه - منه رسوله - صلى اللّه عليه وسلم - ويدمغ أصحابه بافتراء الكذب على اللّه ، وارتكاب هذا الإثم المبين ! والعياذ باللّه ! إن دين اللّه منهج حياة . وطاعة اللّه هي تحكيم هذا المنهج في الحياة . والقرب من اللّه لا يكون إلا بطاعته . . فلننظر أين نحن من اللّه ودينه ومنهجه . . ثم لننظر أين نحن من حال هؤلاء اليهود ، الذين يعجب اللّه من حالهم ، ويدمغهم بإثم الافتراء عليه في تزكيتهم لأنفسهم ! فالقاعدة هي القاعدة . والحال هي الحال . وليس لأحد عند اللّه نسب ولا صهر ولا محاباة ! ! ! ويمضي السياق في التعجيب من أمر أولئك الذين يزكون أنفسهم . . بينما هم يؤمنون بالباطل وبالأحكام التي لا تستند إلى شرع اللّه ، وليس لها ضابط منه يعصمها من الطغيان : « الجبت والطاغوت » وبينما هم يشهدون للشرك والمشركين بأنهم أهدى من المؤمنين بكتاب اللّه ومنهجه وشريعته ، ويحمل عليهم - بعد التعجيب من أمرهم ، وذكر هذه المخازي عنهم - حملة عنيفة ؛ ويرذلهم ترذيلا شديدا ؛ ويظهر كامن طباعهم من الحسد والبخل ؛ والأسباب الحقيقية التي تجعلهم يقفون هذا الموقف إلى جانب انحرافهم عن دين إبراهيم - الذي يفخرون بالانتساب إليه - وينهي هذه الحملة بتهديدهم بجهنم . « وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً » . « أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ ، يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ ، وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا : هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا ! أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ . وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً . أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ ؟ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً . أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ؟ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ ؛ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً . فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ ؛ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً » . . لقد كان الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ، أولى الناس أن يتبعوا الكتاب ؛ وأن يكفروا بالشرك الذي يعتنقه