سيد قطب
651
في ظلال القرآن
بل يقول كبار العلماء المختصين : إنها غائرة في تكوين كل خلية . لأنها عميقة في تكوين الخلية الأولى ، التي يكون من انقسامها وتكاثرها الجنين ، بكل خصائصه الأساسية ! وكذلك زود الرجل - فيما زود به من الخصائص - بالخشونة والصلابة ، وبطء الانفعال والاستجابة ؛ واستخدام الوعي والتفكير قبل الحركة والاستجابة . لأن وظائفه كلها من أول الصيد الذي كان يمارسه في أول عهده بالحياة إلى القتال الذي يمارسه دائما لحماية الزوج والأطفال . إلى تدبير المعاش . . إلى سائر تكاليفه في الحياة . . لأن وظائفه كلها تحتاج إلى قدر من التروي قبل الإقدام ؛ وإعمال الفكر ، والبطء في الاستجابة بوجه عام ! . . وكلها عميقة في تكوينه عمق خصائص المرأة في تكوينها . . وهذه الخصائص تجعله أقدر على القوامة ، وأفضل في مجالها . . كما أن تكليفه بالإنفاق - وهو فرع من توزيع الاختصاصات - يجعله بدوره أولى بالقوامة ، لأن تدبير المعاش للمؤسسة ومن فيها داخل في هذه القوامة ؛ والإشراف على تصريف المال فيها أقرب إلى طبيعة وظيفته فيها . . وهذان هما العنصران اللذان أبرزهما النص القرآني ، وهو يقرر قوامة الرجال على النساء في المجتمع الإسلامي . قوامة لها أسبابها من التكوين والاستعداد . ولها أسبابها من توزيع الوظائف والاختصاصات . ولها أسبابها من العدالة في التوزيع من ناحية ؛ وتكليف كل شطر - في هذا التوزيع - بالجانب الميسر له ، والذي هو معان عليه من الفطرة . وأفضليته في مكانها . . في الاستعداد للقوامة والدربة عليها . . والنهوض بها بأسبابها . . لأن المؤسسة لا تسير بلا قوامة - كسائر المؤسسات الأقل شأنا والأرخص سعرا - ولأن أحد شطري النفس البشرية مهيأ لها ، معان عليها ، مكلف تكاليفها . وأحد الشطرين غير مهيأ لها ، ولا معان عليها . . ومن الظلم أن يحملها ويحمل تكاليفها إلى جانب أعبائه الأخرى . . وإذا هو هيئ لها بالاستعدادات الكامنة ، ودرب عليها بالتدريب العلمي والعملي ، فسد استعداده للقيام بالوظيفة الأخرى . . وظيفة الأمومة . . لأن لها هي الأخرى مقتضياتها واستعداداتها . وفي مقدمتها سرعة الانفعال ، وقرب الاستجابة . فوق الاستعدادات الغائرة في التكوين العضوي والعصبي ؛ وآثارها في السلوك والاستجابة ! إنها مسائل خطيرة . . أخطر من أن تتحكم فيها أهواء البشر . . وأخطر من أن تترك لهم يخبطون فيها خبط عشواء . . وحين تركت لهم ولأهوائهم في الجاهليات القديمة والجاهليات الحديثة ، هددت البشرية تهديدا خطيرا في وجودها ذاته ؛ وفي بقاء الخصائص الإنسانية ، التي تقوم بها الحياة الإنسانية وتتميز . ولعل من الدلائل التي تشير بها الفطرة إلى وجودها وتحكمها ؛ ووجود قوانينها المتحكمة في بني الإنسان ، حتى وهم ينكرونها ويرفضونها ويتنكرون لها . . لعل من هذه الدلائل ما أصاب الحياة البشرية من تخبط وفساد ، ومن تدهور وانهيار ؛ ومن تهديد بالدمار والبوار ، في كل مرة خولفت فيها هذه القاعدة . فاهتزت سلطة القوامة في الأسرة . أو اختلطت معالمها . أو شذت عن قاعدتها الفطرية الأصيلة ! ولعل من هذه الدلائل توقان نفس المرأة ذاتها إلى قيام هذه القوامة على أصلها الفطري في الأسرة . وشعورها بالحرمان والنقص والقلق وقلة السعادة ؛ عندما تعيش مع رجل ، لا يزاول مهام القوامة ؛ وتنقصه صفاتها اللازمة ؛ فيكل إليها هي القوامة ! وهي حقيقة ملحوظة تسلم بها حتى المنحرفات الخابطات في الظلام ! ولعل من هذه الدلائل أن الأطفال - الذين ينشئون في مؤسسة عائلية القوامة فيها ليست للأب . إما لأنه