سيد قطب

652

في ظلال القرآن

ضعيف الشخصية ، بحيث تبرز عليه شخصية الأم وتسيطر . وإما لأنه مفقود : لوفاته - أو لعدم وجود أب شرعي ! - قلما ينشئون أسوياء . وقل ألا ينحرفوا إلى شذوذ ما ، في تكوينهم العصبي والنفسي ، وفي سلوكهم العملي والخلقي . . فهذه كلها بعض الدلائل ، التي تشير بها الفطرة إلى وجودها وتحكمها ، ووجود قوانينها المتحكمة في بني الإنسان ، حتى وهم ينكرونها ويرفضونها ويتنكرون لها ! ولا نستطيع أن نستطرد أكثر من هذا - في سياق الظلال - عن قوامة الرجال ومقوماتها ومبرراتها ، وضرورتها وفطريتها كذلك . . ولكن ينبغي أن نقول : إن هذه القوامة ليس من شأنها إلغاء شخصية المرأة في البيت ولا في المجتمع الإنساني ؛ ولا إلغاء وضعها « المدني » - كما بينا ذلك من قبل - وإنما هي وظيفة - داخل كيان الأسرة - لإدارة هذه المؤسسة الخطيرة ، وصيانتها وحمايتها . ووجود القيم في مؤسسة ما ، لا يلغي وجود ولا شخصية ولا حقوق الشركاء فيها ، والعاملين في وظائفها . فقد حدد الإسلام في مواضع أخرى صفة قوامة الرجل وما يصاحبها من عطف ورعاية ، وصيانة وحماية ، وتكاليف في نفسه وماله ، وآداب في سلوكه مع زوجه وعياله « 1 » . وبعد بيان واجب الرجل وحقه والتزاماته وتكاليفه في القوامة ، يجيء بيان طبيعة المرأة المؤمنة الصالحة وسلوكها وتصرفها الإيماني في محيط الأسرة : « فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ ، حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ » . . فمن طبيعة المؤمنة الصالحة ، ومن صفتها الملازمة لها ، بحكم إيمانها وصلاحها ، أن تكون . . قانتة . . مطيعة . والقنوت : الطاعة عن إرادة وتوجه ورغبة ومحبة ، لا عن قسر وإرغام وتفلت ومعاظلة ! ومن ثم قال : قانتات . ولم يقل طائعات . لأن مدلول اللفظ الأول نفسي ، وظلاله رخية ندية . . وهذا هو الذي يليق بالسكن والمودة والستر والصيانة بين شطري النفس الواحدة . في المحضن الذي يرعى الناشئة ، ويطبعهم بجوه وأنفاسه وظلاله وإيقاعاته ! ومن طبيعة المؤمنة الصالحة ، ومن صفتها الملازمة لها ، بحكم إيمانها وصلاحها كذلك ، أن تكون حافظة لحرمة الرباط المقدس بينها وبين زوجها في غيبته - وبالأولى في حضوره - فلا تبيح من نفسها في نظرة أو نبرة - بله العرض والحرمة - ما لا يباح إلا له هو - بحكم أنه الشطر الآخر للنفس الواحدة . وما لا يباح ، لا تقرره هي ، ولا يقرره هو : إنما يقرره اللّه سبحانه : « بِما حَفِظَ اللَّهُ » . . فليس الأمر أمر رضاء الزوج عن أن تبيح زوجته من نفسها - في غيبته أو في حضوره - ما لا يغضب هو له . أو ما يمليه عليه وعليها المجتمع ! إذا انحرف المجتمع عن منهج اللّه . . إن هنالك حكما واحدا في حدود هذا الحفظ ؛ فعليها أن تحفظ نفسها « بِما حَفِظَ اللَّهُ » . . والتعبير القرآني لا يقول هذا بصيغة الأمر . بل بما هو أعمق وأشد توكيدا من الأمر . إنه يقول : إن هذا الحفظ بما حفظ اللّه ، هو من طبيعة الصالحات ، ومن مقتضى صلاحهن !

--> ( 1 ) ولزيادة الإيضاح في جميع المسائل التي تناولتها هذه الفقرة من الموضوع يراجع : فصل : « المرأة وعلاقات الجنسين » في كتاب : « الإسلام ومشكلات الحضارة » ، وكتاب « الحجاب » وكتاب « تفسير سورة النور » للأستاذ المودودي . وكتاب « الأسرة والمجتمع » ، وكتاب « حقوق الإنسان » للدكتور علي عبد الواحد وافي . وكتاب « الإنسان بين المادية والإسلام » لمحمد قطب . . . « دار الشروق » .