سيد قطب
729
في ظلال القرآن
كذلك من الاعتقاد في الآخرة ، وجمع اللّه الواحد لعباده ، ليحاسبهم هناك على ما أتاح لهم في الدنيا من فرص العمل والابتلاء ، تبدأ خطوات هذا المنهج في تربية النفوس ، وإثارة الحساسية فيها تجاه التشريعات والتوجيهات ؛ وتجاه كل حركة من حركاتها في الحياة . . فهو الابتلاء في الصغيرة والكبيرة في الدنيا ؛ والحساب على الصغيرة والكبيرة في الآخرة . . وهذا هو الضمان الأوثق لنفاذ الشرائع والأنظمة ؛ لأنه كامن هناك في أعماق النفس ، حارس عليها ، سهران حيث يغفو الرقباء ويغفل السلطان ! هذا حديث اللّه - سبحانه - وهذا وعده : « وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً » . . وبعد هذه اللمسة للقلوب ، وهي اللمسة الدالة على طريقة هذا المنهج في التربية ، كما هي دالة على أساس التصور الاعتقادي العملي في حياة الجماعة المسلمة . . بعد هذه اللمسة يبدأ في استنكار حالة من التميع في مواجهة النفاق والمنافقين ؛ وقلة الحسم في موضع الحسم في معاملة الجماعة المسلمة لهم ؛ وانقسام هذه الجماعة فئتين في أمر طائفة من المنافقين - من خارج المدينة كما سنبين - حيث يشي هذا الاستنكار بما كان في المجتمع المسلم يومئذ من عدم التناسق ؛ كما يشي بتشدد الإسلام في ضرورة تحديد الأمور وحسمها ، وكراهة التميع في التعامل مع المنافقين والنظرة إليهم ؛ والارتكان إلى ظاهرهم . . ما لم يكن ذلك عن خطة مقررة هادفة : « فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ ؟ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا ؛ أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ ؟ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا . وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً . فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ . فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ ، وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ، وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً » . . وقد وردت في شأن هؤلاء المنافقين روايات ، أهمها روايتان : قال الإمام أحمد : حدثنا بهز ، حدثنا شعبة ، قال عدي بن ثابت : أخبرني عبد اللّه بن يزيد ، عن زيد ابن ثابت ، أن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلّم - خرج إلى أحد ، فرجع ناس خرجوا معه . فكان أصحاب رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلّم - فيهم ، فرقتين : فرقة تقول : نقتلهم ، وفرقة تقول : لا . هم المؤمنون ! فأنزل اللّه : « فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ ؟ » فقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلّم - « إنها طيبة . وإنها تنفي الخبث كما ينفي الكير خبث الحديد » . . ( أخرجاه في الصحيحين من حديث شعبة ) . وقال العوفي عن ابن عباس : نزلت في قوم كانوا قد تكلموا بالإسلام ؛ وكانوا يظاهرون المشركين . فخرجوا من مكة يطلبون حاجة لهم . فقالوا : إن لقينا أصحاب محمد فليس علينا منهم بأس . . وإن المؤمنين لما أخبروا أنهم قد خرجوا من مكة ، قالت فئة من المؤمنين : اركبوا إلى الجبناء فاقتلوهم ، فإنهم يظاهرون عدوكم . وقالت فئة أخرى من المؤمنين : سبحان اللّه : - أو كما قالوا - أتقتلون قوما قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به ؟ من أجل أنهم لم يهاجروا ، ولم يتركوا ديارهم نستحل دماءهم وأموالهم ؟ فكانوا كذلك فئتين ، والرسول عندهم لا ينهى واحدا من الفريقين عن شيء ، فنزلت : « فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ ؟ » . . ( رواه ابن أبي حاتم ، وقد روي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وعكرمة ومجاهد والضحاك وغيرهم قريب من هذا ) . ومع أن الرواية الأولى أوثق من ناحية السند والإخراج إلا أننا نرجح مضمون الرواية الثانية ، بالاستناد إلى الواقع التاريخي ؛ فالثابت أن منافقي المدينة لم يرد أمر بقتالهم ؛ ولم يقاتلهم الرسول - صلى اللّه عليه وسلم -