سيد قطب

730

في ظلال القرآن

أو يقتلهم . إنما كانت هناك خطة أخرى مقررة في التعامل معهم . هي خطة الإغضاء عنهم ، وترك المجتمع نفسه ينبذهم ، وتقطيع الأسناد من حولهم بطرد اليهود - وهم الذين يغرونهم ويملون لهم - من المدينة أولا . ثم من الجزيرة العربية كلها أخيرا . . أما هنا فنحن نجد أمرا جازما بأخذهم أسرى ، وقتلهم حيث وجدوا : مما يقطع بأنهم مجموعة أخرى غير مجموعة المنافقين في المدينة . . وقد يقال : إن الأمر بأخذهم أسرى وقتلهم مشروط بقوله تعالى : « فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا ، فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ » . . فهو تهديد ليقلعوا عما هم فيه . . وقد يكونون أقلعوا فلم ينفذ الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - هذا الأمر فيهم . . ولكن كلمة « يهاجروا » تقطع - في هذه الفترة - بأنهم ليسوا من أهل المدينة . وأن المقصود هو أن يهاجروا إلى المدينة ؛ فقد كان هذا قبل الفتح . ومعنى الهجرة - قبل الفتح - كان محددا بأنه الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام ؛ والانضمام للجماعة المسلمة ؛ والخضوع لنظامها . وإلا فهو الكفر أو النفاق . . وسيجيء في سياق السورة - في الدرس التالي - تنديد شديد بموقف الذين بقوا - بغير عذر من الضعف - من المسلمين في مكة ؛ دار الكفر والحرب بالنسبة لهم - ولو كانوا من أهلها ومواطنين فيها ! - وكل هذا يؤيد ترجيح الرواية الثانية . وأن هؤلاء المنافقين كانوا جماعة من مكة - أو ممن حولها - يقولون كلمة الإسلام بأفواههم ، ويظاهرون عدو المسلمين بأعمالهم . ونعود إلى النص القرآني : « فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ ؛ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا ؟ أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ ؟ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا . وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً . فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ . فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ ، وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ، وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً » . . إننا نجد في النصوص استنكارا لانقسام المؤمنين فئتين في أمر المنافقين ؛ وتعجبا من اتخاذهم هذا الموقف ؛ وشدة وحسما في التوجيه إلى تصور الموقف على حقيقته ، وفي التعامل مع أولئك المنافقين كذلك . وكل ذلك يشي بخطر التميع في الصف المسلم حينذاك - وفي كل موقف مماثل - التميع في النظرة إلى النفاق والمنافقين ؛ لأن فيها تميعا كذلك في الشعور بحقيقة هذا الدين . ذلك أن قول جماعة من المؤمنين : « سبحان اللّه ! - أو كما قالوا - أتقتلون قوما قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به من أجل أنهم لم يهاجروا ولم يتركوا ديارهم ، نستحل دماءهم وأموالهم ؟ » . . وتصورهم للأمر على هذا النحو ، من أنه كلام مثل ما يتكلم المسلمون ! مع أن شواهد الحال كلها وقول هؤلاء المنافقين : « إن لقينا أصحاب محمد فليس علينا منهم بأس » . . وشهادة الفئة الأخرى من المؤمنين وقولهم : « يظاهرون عدوكم » . . تصورهم للأمر على هذا النحو فيه تمييع كبير لحقيقة الإيمان ، في ظروف تستدعي الوضوح الكامل ، والحسم القاطع . فإن كلمة تقال باللسان ؛ مع عمل واقعي في مساعدة عدو المسلمين الظاهرين ، لا تكون إلا نفاقا . ولا موضع هنا للتسامح أو للإغضاء . لأنه تمييع للتصور ذاته . . وهذا هو الخطر الذي يواجهه النص القرآني بالعجب والاستنكار والتشديد البين . ولم يكن الحال كذلك في الإغضاء عن منافقي المدينة . فقد كان التصور واضحا . . هؤلاء منافقون . . ولكن هناك خطة مقررة للتعامل معهم . هي أخذهم بظاهرهم والإغضاء إلى حين . وهذا أمر آخر غير أن ينافح جماعة من المسلمين عن المنافقين . لأنهم قالوا كلاما كالذي يقوله المسلمون . وأدّوا بألسنتهم شهادة أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه . بينما هم يظاهرون أعداء المسلمين ! من أجل هذا التميع في فهم فئة من المسلمين ، ومن أجل ذلك الاختلاف في شأن المنافقين في الصف المسلم ،