سيد قطب
719
في ظلال القرآن
سن المنهج وشرع الطريق ودل على الخير وحذر من الشر . . وحين لا يتبع الإنسان منهج اللّه الذي سنه ، ولا يسلك طريقة الذي شرعه ، ولا يحاول الخير الذي دله عليه ، ولا يحذر الشر الذي حذره منه . . حينئذ تصيبه السيئة . السيئة الحقيقية . سواء في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معا . . ويكون هذا من عند نفسه . لأنه هو الذي لم يتبع منهج اللّه وطريقه . . وهذا معنى غير المعنى الأول ، ومجال غير المجال الأول . . كما هو واضح فيما نحسب . . ولا يغير هذا من الحقيقة الأولى شيئا . وهي أن تحقق الحسنة ، وتحقق السيئة ووقوعهما لا يتم إلا بقدرة اللّه وقدره . لأنه المنشئ لكل ما ينشأ . المحدث لكل ما يحدث . الخالق لكل ما يكون . . أيا كانت ملابسة إرادة الناس وعملهم في هذا الذي يحدث ، وهذا الذي يكون « 1 » . ثم يبين لهم حدود وظيفة الرسول - صلى اللّه عليه وسلّم - وعمله وموقف الناس منه ، وموقفه من الناس . ويرد الأمر كله إلى اللّه في النهاية : « وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا . وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً . مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ . وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً » . . إن وظيفة الرسول هي أداء الرسالة . لا إحداث الخير ولا إحداث السوء . فهذا من أمر اللّه - كما سلف - واللّه شهيد على أنه أرسل النبي - صلى اللّه عليه وسلّم - لأداء هذه الوظيفة « وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً » . . وأمر الناس مع الرسول - صلى اللّه عليه وسلّم - أن من أطاعه فقد أطاع اللّه . فلا تفرقة بين اللّه ورسوله . ولا بين قول اللّه وقول رسوله . . ومن تولى معرضا مكذبا فأمره إلى اللّه من ناحية حسابه وجزائه . ولم يرسل الرسول - صلى اللّه عليه وسلّم - ليجبره على الهدى ، ويكرهه على الدين ، وليس موكلا بحفظه من العصيان والضلال . فهذا ليس داخلا في وظيفة الرسول ؛ ولا داخلا في قدرة الرسول . بهذا البيان يصحح تصورهم عن حقيقة ما يقع لهم . . فكله لا ينشأ ولا يتحقق إلا بإرادة اللّه وقدره . وما يصيبهم من حسنة أو سيئة - بأي معنى من معاني الحسنة أو السيئة ، سواء حسب ما يرونه هم في الظاهر ، أو ما هو في حقيقة الأمر والواقع - فهو من عند اللّه . لأنه لا ينشئ شيئا ولا يحدثه ولا يخلقه ويوجده إلا اللّه . . وما يصيبهم من حسنة حقيقية - في ميزان اللّه - فهو من عند اللّه ، لأنه بسبب منهجه وهدايته . وما يصيبهم من سيئة حقيقية - في ميزان اللّه - فهو من عند أنفسهم ، لأنه بسبب تنكبهم عن منهج اللّه والإعراض عن هدايته . . والرسول وظيفته الأولى والأخيرة أنه رسول . لا ينشئ ولا يحدث ولا يخلق . ولا يشارك اللّه تعالى في خاصية الألوهية هذه : وهي الخلق والإنشاء والإحداث . وهو يبلغ ما جاء به من عند اللّه ، فطاعته فيما يأمر به إذن هي طاعة للّه . وليس هناك طريق آخر لطاعة اللّه غير طاعة الرسول . والرسول ليس مكلفا أن يحدث الهدى للمعرضين المتولين ، ولا أن يحفظهم من الإعراض والتولي . بعد البلاغ والبيان . .
--> ( 1 ) أما القضية التي تمثل هذه النصوص جانبا منها ، أو التي تذكر بها ، وهي قضية الجبر والاختيار ، وإلى أي حد تعمل إرادة الإنسان فيما يحدث منه أو يحدث له ؟ وكيف تكون له إرادة يقوم عليها الحساب والجزاء ؛ بينما إرادة اللّه هي المنشئة لكل ما يحدث ، ومنه إرادة الإنسان نفسه واتجاهه وعمله . . . إلى آخر هذه القضية . . فالنصوص القرآنية تقول : إن كل ما يحدث بإرادة اللّه وقدره . وتقول في الوقت ذاته : إن الإنسان يريد ويعمل ويحاسب على إرادته وعمله . . والقرآن كله كلام اللّه . ولن يعارض بعضه بعضا . فلا بد إذن أن تكون هناك نسبة معينة بين هذا القول وذاك . ولا بد إذن أن يكون هناك مجال لإرادة الإنسان وعمله يكفي لحسابه عليه وجزائه ، دون أن يتعارض هذا مع مجال الإرادة الربانية والقدر الإلهي . كيف ؟ هذا ما لا سبيل لبيانه ، لأن العقل البشري غير كفء لإدراك كيفيات عمل اللّه !