سيد قطب

720

في ظلال القرآن

حقائق - هكذا - واضحة مريحة ، بينة صريحة ؛ تبني التصور ، وتريح الشعور ؛ وتمضي شوطا مع تعليم اللّه لهذه الجماعة ، وإعدادها لدورها الكبير الخطير . . بعد ذلك يحكي السياق عن حال طائفة أخرى - في الصف المسلم - أم لعلها هي طائفة المنافقين يذكر عنها فعلا جديدا ، وفصلا جديدا ! ومع الحكاية التنفير من الفعلة ؛ ومع التنفير التعليم والتوجيه والتنظيم . . كل ذلك في آيات قليلة ، وعبارات معدودة : « وَيَقُولُونَ : طاعَةٌ . فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ - وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ - فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ، وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ، وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا . أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ؟ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً » . . إن هذا الفريق من الناس إذا كان عند رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلّم - يسمع منه القرآن وما فيه من التكاليف . . قالوا : « طاعة » . . قالوها هكذا جامعة شاملة . طاعة مطلقة . لا اعتراض ولا استفهام ولا استيضاح ولا استثناء ! ولكن ما إن يخرجوا من عند رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلّم - حتى تبيت طائفة منهم غير الذي تقول ؛ وتروح في ما بينها تتآمر على عدم التنفيذ ؛ وعلى اتخاذ خطة للتخلص من التكليف . أم لعل النص يصور حال الجماعة المسلمة كلها ؛ ويستثني منها هذه الطائفة ذات الشأن الخاص ، والتصرف الخاص . . ويكون المعنى أن المسلمين يقولون : طاعة . بجملتهم . ولكن طائفة منهم - وهي هذه الطائفة المنافقة - إذا خرجت بيت أفرادها غير ما قالوا . . وهي صورة ترسم تلك الخلخلة بعينها في الصف المسلم . فإن هؤلاء مندسون فيه على كل حال . وتصرفهم على هذا النحو يؤذي الصف ويخلخله ؛ والجماعة المسلمة تخوض المعركة في كل ميادينها وبكل قوتها ! واللّه - سبحانه - يطمئن النبي - صلى اللّه عليه وسلّم - والمخلصين في الصف . يطمئنهم بأن عينه على هذه الطائفة التي تبيت وتمكر . وشعور المسلمين بأن عين اللّه على المبيتين الماكرين يثبت قلوبهم ، ويسكب فيها الطمأنينة إلى أن هذه الطائفة لن تضرهم شيئا بتآمرها وتبييتها . ثم هي تهديد ووعيد للمتآمرين المبيتين ؛ فلن يذهبوا مفلحين ، ولن يذهبوا ناجين : « وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ » . . وكانت الخطة التي وجه اللّه إليها نبيه - صلى اللّه عليه وسلّم - في معاملة المنافقين ، هي أخذهم بظاهرهم - لا بحقيقة نواياهم - والإعراض والتغاضي عما يبدر منهم . . وهي خطة فتلتهم في النهاية ، وأضعفتهم ، وجعلت بقاياهم تتوارى ضعفا وخجلا . . وهنا طرف من هذه الخطة : « فأعرض عنهم » . ومع هذا التوجيه بالإغضاء عنهم ، التطمين بكلاءة اللّه وحفظه مما يبيتون : « وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ . . وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا » . . نعم . . وكفى باللّه وكيلا . لا يضار من كان وكيله ؛ ولا يناله تآمر ولا تبييت ولا مكيدة . . وكأنما كان الذي يدفع هذه الطائفة إلى أن تقول في حضرة الرسول - صلى اللّه عليه وسلّم - مع القائلين : « طاعة » فإذا خرجت بيتت غير الذي تقول . . كأنما كان هذا بسبب شكهم في مصدر ما يأمرهم به الرسول -