سيد قطب

711

في ظلال القرآن

عَنْهُمْ ، وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ، وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا . أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ؟ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً . « وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ . وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ . . وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا » . . هؤلاء الذين تتحدث عنهم هذه المجموعات الأربع من الآيات ؛ قد يكونون هم أنفسهم الذين تحدثت عنهم مجموعة سابقة في هذا الدرس : « وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ » . . . الآيات . . . ويكون الحديث كله عن تلك الطائفة من المنافقين ؛ التي تصدر منها هذه الأعمال وهذه الأقوال كلها . وقد كدنا نرجح هذا الرأي ؛ لأن ملامح النفاق واضحة ، فيما تصفه هذه المجموعات كلها . وصدور هذه الأعمال وهذه الأقوال عن طوائف المنافقين في الصف المسلم ، أمر أقرب إلى طبيعتهم ، وإلى سوابقهم كذلك . وطبيعة السياق القرآني شديدة الالتحام بين الآيات جميعا . . ولكن المجموعة الأولى من هذه المجموعات التي تتحدث عن الذين : ( قِيلَ لَهُمْ : كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ . فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ . . . الآيات ) هي التي جعلتنا نتردد في اعتبار الآيات كلها حديثا عن المنافقين - وإن بدت فيها صفات المنافقين وبدت فيها لحمة السياق واستطراده - وجعلتنا نميل إلى اعتبار هذه المجموعة واردة في طائفة من المهاجرين - ضعاف الإيمان غير منافقين - والضعف قريب الملامح من النفاق - وأن كل مجموعة أخرى من هذه المجموعات الأربع ربما كانت تصف طائفة بعينها من طوائف المنافقين ، المندسين في الصف المسلم . وربما كانت كلها وصفا للمنافقين عامة ؛ وهي تعدد ما يصدر عنهم من أقوال وأفعال . والسبب في وقوفنا هذا الموقف أمام آيات المجموعة الأولى ؛ وظننا أنها تصف طائفة من المهاجرين الضعاف الإيمان ؛ أو الذين لم ينضج بعد تصورهم الإيماني ؛ ولم تتضح معالم الاعتقاد في قلوبهم وعقولهم . . السبب هو أن المهاجرين هم الذين كان بعضهم تأخذه الحماسة والاندفاع ، لدفع أذى المشركين - وهم في مكة - في وقت لم يكن مأذونا لهم في القتال - فقيل لهم : « كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ » . . وحتى لو أخذنا في الاعتبار ما عرضه أصحاب بيعة العقبة الثانية الاثنان والسبعون على النبي - صلى اللّه عليه وسلم - من ميلهم على أهل منى - أي قتلهم - لو أمرهم الرسول - صلى اللّه عليه وسلّم - ورده عليهم : « إننا لم نؤمر بقتال » . . فإن هذا لا يجعلنا ندمج هذه المجموعة من السابقين من الأنصار - أصحاب بيعة العقبة - في المنافقين ، الذين تتحدث عنهم بقية الآيات . ولا في الضعاف الذين تصفهم المجموعة الأولى . فإنه لم يعرف عن هؤلاء الصفوة نفاق ولا ضعف ؛ رضي اللّه عنهم جميعا . فأقرب الاحتمالات هو أن تكون هذه المجموعة واردة في بعض من المهاجرين ، الذين ضعفت نفوسهم - وقد أمنوا في المدينة وذهب عنهم الأذى - عن تكاليف القتال . . وألا تكون بقية الأوصاف واردة فيهم ، بل في المنافقين . لأنه يصعب علينا - مهما عرفنا من ظواهر الضعف البشري - أن نسم أي مهاجر من هؤلاء السابقين بسمة رد السيئة إلى الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - دون الحسنة ! أو قول الطاعة وتبييت غيرها . . وإن كنا لا نستبعد أن توجد فيهم صفة الإذاعة بالأمر من الأمن أو الخوف . لأن هذه قد تدل على عدم الدربة على النظام ، ولا تدل على النفاق . . والحق . . أننا نجد أنفسنا - أمام هذه الآيات كلها - في موقف لا نملك الجزم فيه بشيء . والروايات الواردة