سيد قطب
712
في ظلال القرآن
عنها ليس فيها جزم كذلك بشيء . . حتى في آيات المجموعة الأولى . التي ورد أنها في طائفة من المهاجرين ؛ كما ورد أنها في طائفة من المنافقين ! ومن ثم نأخذ بالأحوط ؛ في تبرئة المهاجرين من سمات التبطئة والانخلاع مما يصيب المؤمنين من الخير والشر . التي وردت في الآيات السابقة . ومن سمة إسناد السيئة للرسول - صلى اللّه عليه وسلّم - دون الحسنة ، ورد هذه وحدها إلى اللّه ! ومن سمة تبييت غير الطاعة . . وإن كانت تجزئة سياق الآيات على هذا النحو ليست سهلة على من يتابع السياق القرآني ، ويدرك - بطول الصحبة - طريقة التعبير القرآنية ! ! ! واللّه المعين . « أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ : كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ ، وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ . . فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً . وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ ؟ لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ ! قُلْ : مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ . وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا . أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ ، وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ . . . » يعجب اللّه - سبحانه - من أمر هؤلاء الناس ؛ الذين كانوا يتدافعون حماسة إلى القتال ويستعجلونه وهم في مكة ، يتلقون الأذى والاضطهاد والفتنة من المشركين . حين لم يكن مأذونا لهم في القتال للحكمة التي يريدها اللّه . فلما أن جاء الوقت المناسب الذي قدره اللّه ؛ وتهيأت الظروف المناسبة وكتب عليهم القتال - في سبيل اللّه - إذا فريق منهم شديد الجزع ، شديد الفزع ، حتى ليخشى الناس الذين أمروا بقتالهم - وهم ناس من البشر - كخشية اللّه ؛ القهار الجبار ، الذي لا يعذب عذابه أحد ، ولا يوثق وثاقه أحد . . « أو أشد خشية » ! ! وإذا هم يقولون - في حسرة وخوف وجزع - « رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ ؟ » . . وهو سؤال غريب من مؤمن . وهو دلالة على عدم وضوح تصوره لتكاليف هذا الدين ؛ ولوظيفة هذا الدين أيضا . . ويتبعون ذلك التساؤل ، بأمنية حسيرة مسكينة ! « لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ ! » وأمهلتنا بعض الوقت ، قبل ملاقاة هذا التكليف الثقيل المخيف ! إن أشد الناس حماسة واندفاعا وتهورا ، قد يكونون هم أشد الناس جزعا وانهيارا وهزيمة عندما يجد الجد ، وتقع الواقعة . . بل إن هذه قد تكون القاعدة ! ذلك أن الاندفاع والتهور والحماسة الفائقة غالبا ما تكون منبعثة عن عدم التقدير لحقيقة التكاليف . لا عن شجاعة واحتمال وإصرار . كما أنها قد تكون منبعثة عن قلة الاحتمال . قلة احتمال الضيق والأذى والهزيمة ؛ فتدفعهم قلة الاحتمال ، إلى طلب الحركة والدفع والانتصار بأي شكل . دون تقدير لتكاليف الحركة والدفع والانتصار . . حتى إذا ووجهوا بهذه التكاليف كانت أثقل مما قدروا ، وأشق مما تصوروا . فكانوا أول الصف جزعا ونكولا وانهيارا . . على حين يثبت أولئك الذين كانوا يمسكون أنفسهم ، ويحتملون الضيق والأذى بعض الوقت ؛ ويعدون للأمر عدته ، ويعرفون حقيقة تكاليف الحركة ، ومدى احتمال النفوس لهذه التكاليف . فيصبرون ويتمهلون ويعدون للأمر عدته . . والمتهورون المندفعون المستحمسون يحسبونهم إذ ذاك ضعافا ، ولا يعجبهم تمهلهم ووزنهم للأمور ! وفي المعركة يتبين أي الفريقين أكثر احتمالا ؛ وأي الفريقين أبعد نظرا كذلك ! وأغلب الظن أن هذا الفريق الذي تعنيه هذه الآيات كان من ذلك الصنف ، الذي يلذعه الأذى في مكة فلا يطيقه ؛ ولا يطيق الهوان وهو ذو عزة . فيندفع يطلب من الرسول صلى اللّه عليه وسلّم أن يأذن له بدفع الأذى ، أو حفظ الكرامة . والرسول - صلى اللّه عليه وسلّم - يتبع في هذا أمر ربه بالتريث والانتظار ، والتربية