سيد قطب

710

في ظلال القرآن

في سبيل اللّه في حياة الجماعة المسلمة الأولى ؛ والتي تناثرت على مدى التاريخ في أجيال كثيرة . وما بنا أن نضرب لها هنا الأمثال ؛ فهي كثيرة مشهورة . . ومن هذا التصور كان ذلك المد الإسلامي العجيب ، في أقصر فترة عرفت في التاريخ ؛ فقد كان هذا التصور جانبا من جوانب التفوق الذي حققه المنهج الرباني للجماعة المسلمة ، على المعسكرات المعادية . . ذلك التفوق الذي أشرنا إليه من قبل في هذا الجزء « 1 » . وبناء هذا التصور ذاته كان طرفا من المعركة الكلية الشاملة التي خاضها القرآن في نفوس المؤمنين ، وهو يخوض بهم المعركة مع أعدائهم المتفوقين في العدد والعدة والمال ؛ ولكنهم في هذا الجانب كانوا متخلفين ؛ فأمسوا مهزومين ! وها نحن أولاء نرى الجهد الذي بذله المنهج في إنشاء هذا التصور وتثبيته . فلم يكن الأمر هينا . ولم يكن مجرد كلمة تقال . ولكنه كان جهدا موصولا ، لمعالجة شح النفس ، وحرصها على الحياة - بأي ثمن - وسوء التصور لحقيقة الربح والخسارة . . وفي الدرس بقية من هذا العلاج ، وذلك الجهد الموصول . إن السياق يمضي - بعد هذا - إلى التعجيب من أمر طائفة أو أكثر من المسلمين - قيل إن بعضهم من المهاجرين ، الذين كانت تشتد بهم الحماسة - وهم في مكة يلقون الأذى والاضطهاد - ليؤذن لهم في قتال المشركين . حيث لم يكن مأذونا لهم - بعد - في قتال ، للحكمة التي يعلمها اللّه ؛ والتي قد نصيب طرفا من معرفتها فيما سنذكره بعد . . فلما كتب عليهم القتال ، بعد أن قامت للإسلام دولة في المدينة ، وعلم اللّه أن في هذا الإذن خيرا لهم وللبشرية . . إذا هم - كما يصورهم القرآن - « يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ! وَقالُوا : رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ ! لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ ! » ممن إذا أصابتهم الحسنة قالوا : هذه من عند اللّه . وإن أصابتهم السيئة قالوا للرسول صلى اللّه عليه وسلّم : هذه من عندك . وممن يقولون : طاعة حتى إذا خرجوا من عند الرسول - صلى اللّه عليه وسلّم - بيت طائفة منهم غير الذي تقول . وممن إذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به . . . يمضي السياق ليعجب من شأن هؤلاء ، في الأسلوب القرآني ؛ الذي يصور حالة النفس ، كما لو كانت مشهدا يرى ويحس ! ويصحح لهم - ولغيرهم - سوء التصور والإدراك لحقائق الموت والحياة ، والأجل والقدر ، والخير والشر ، والنفع والضرر ، والكسب والخسارة ، والموازين والقيم ؛ ويبين لهم حقائقها في أسلوب يصور الحقائق في صورتها الموحية المؤثرة : « أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ : كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ ، وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ . فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً . وَقالُوا : رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ ؟ لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ ! قُلْ : مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ ، وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى ، وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا . أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ . وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ » . « وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا : هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ . وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ . قُلْ : كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ . فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً ؟ ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ . وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ . وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا ، وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً . مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ ؛ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً » . « وَيَقُولُونَ : طاعَةٌ . فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ - وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ - فَأَعْرِضْ

--> ( 1 ) ص 673 .