سيد قطب

709

في ظلال القرآن

« دار الإسلام » التي تتخذ المنهج الإسلامي منهجا للحياة . . وكل تصور آخر للوطن هو تصور غير إسلامي ، تنضح به الجاهليات ، ولا يعرفه الإسلام . ثم لمسة نفسية أخرى ، لاستنهاض الهمم ، واستجاشة العزائم ، وإنارة الطريق ، وتحديد القيم والغايات والأهداف ، التي يعمل لها كل فريق : « الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ؛ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ . فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ . إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً » . . وفي لمسة واحدة يقف الناس على مفرق الطريق . وفي لحظة ترتسم الأهداف ، وتتضح الخطوط . وينقسم الناس إلى فريقين اثنين ؛ تحت رايتين متميزتين : « الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ » . . « وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ » . . الذين آمنوا يقاتلون في سبيل اللّه ؛ لتحقيق منهجه ، وإقرار شريعته ، وإقامة العدل « بين الناس » باسم اللّه . لا تحت أي عنوان آخر . اعترافا بأن اللّه وحده هو الإله ومن ثم فهو الحاكم : والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت ، لتحقيق مناهج شتى - غير منهج اللّه - وإقرار شرائع شتى - غير شريعة اللّه - وإقامة قيم شتى - غير التي أذن بها اللّه - ونصب موازين شتى غير ميزان اللّه ! ويقف الذين آمنوا مستندين إلى ولاية اللّه وحمايته ورعايته . ويقف الذين كفروا مستندين إلى ولاية الشيطان بشتى راياتهم ، وشتى مناهجهم ، وشتى شرائعهم ، وشتى طرائقهم ، وشتى قيمهم ، وشتى موازينهم . . . فكلهم أولياء الشيطان . ويأمر اللّه الذين آمنوا أن يقاتلوا أولياء الشيطان ؛ ولا يخشوا مكرهم ولا مكر الشيطان : « فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ ، إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً » . وهكذا يقف المسلمون على أرض صلبة ، مسندين ظهورهم إلى ركن شديد . مقتنعي الوجدان بأنهم يخوضون معركة للّه ، ليس لأنفسهم منها نصيب ، ولا لذواتهم منها حظ . وليست لقومهم ، ولا لجنسهم ، ولا لقرابتهم وعشيرتهم منها شيء . . إنما هي للّه وحده ، ولمنهجه وشريعته . وأنهم يواجهون قوما أهل باطل ؛ يقاتلون لتغليب الباطل على الحق . لأنهم يقاتلون لتغليب مناهج البشر الجاهلية - وكل مناهج البشر جاهلية - على شريعة منهج اللّه ؛ ولتغليب شرائع البشر الجاهلية - وكل شرائع البشر جاهلية - على اللّه ؛ ولتغليب ظلم البشر - وكل حكم للبشر من دون اللّه ظلم - على عدل اللّه ، الذي هم مأمورون أن يحكموا به بين الناس . . كذلك يخوضون المعركة ، وهم يوقنون أن اللّه وليهم فيها . وأنهم يواجهون قوما ، الشيطان وليهم فهم إذن ضعاف . . إن كيد الشيطان كان ضعيفا . . ومن هنا يتقرر مصير المعركة في حس المؤمنين ، وتتحدد نهايتها . قبل أن يدخلوها . وسواء بعد ذلك استشهد المؤمن في المعركة - فهو واثق من النتيجة - أم بقي حتى غلب ، ورأى بعينيه النصر ؛ فهو واثق من الأجر العظيم . من هذا التصور الحقيقي للأمر في كلتا حالتيه ، انبثقت تلك الخوارق الكثيرة التي حفظها تاريخ الجهاد