سيد قطب

143

في ظلال القرآن

ما دون لحمه وعظمه ، ما يصده ذلك عن دينه . . واللّه ليتمن اللّه تعالى هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت فلا يخاف إلا اللّه ، والذئب على غنمه ، ولكنكم تستعجلون » « 1 » . . . وعن ابن مسعود - رضي اللّه عنه - قال : « كأني انظر إلى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يحكي نبيا من الأنبياء عليهم السلام ، ضربه قومه فأدموه ، وهو يمسح الدم عن وجهه ، وهو يقول : اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون » « 2 » . وعن يحيي بن وثاب ، عن شيخ من أصحاب النبي - صلى اللّه عليه وسلم - قال : قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : المسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم » « 3 » . 154 - والآن والجماعة المسلمة في المدينة مقبلة على جهاد شاق لإقرار منهج اللّه في الأرض ، ولأداء دورها المقسوم لها في قدر اللّه ، ولتسلم الراية والسير بها في الطريق الشاق الطويل . . الآن يأخذ القرآن في تعبئتها تعبئة روحية ، وفي تقويم تصورها لما يجري في أثناء هذا الجهاد من جذب ودفع ، ومن تضحيات وآلام ، وفي إعطائها الموازين الصحيحة التي تقدر بها القيم في هذه المعركة الطويلة تقديرا صحيحا : « وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ : أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ » . . إن هنالك قتلى سيخرون شهداء في معركة الحق . شهداء في سبيل اللّه . قتلى أعزاء أحباء . قتلى كراما أزكياء - فالذين يخرجون في سبيل اللّه ، والذين يضحون بأرواحهم في معركة الحق ، هم عادة أكرم القلوب وأزكى الأرواح وأطهر النفوس - هؤلاء الذين يقتلون في سبيل اللّه ليسوا أمواتا . إنهم أحياء . فلا يجوز أن يقال عنهم : أموات . لا يجوز أن يعتبروا أمواتا في الحس والشعور ، ولا أن يقال عنهم أموات بالشفة واللسان . إنهم أحياء بشهادة اللّه سبحانه . فهم لا بد أحياء . إنهم قتلوا في ظاهر الأمر ، وحسبما ترى العين . ولكن حقيقة الموت وحقيقة الحياة لا تقرر هما هذه النظرة السطحية الظاهرة . . إن سمة الحياة الأولى هي الفاعلية والنمو والامتداد . وسمة الموت الأولى هي السلبية والخمود والانقطاع . . وهؤلاء الذين يقتلون في سبيل اللّه فاعليتهم في نصرة الحق الذي قتلوا من أجله فاعلية مؤثرة ، والفكرة التي من أجلها قتلوا ترتوي بدمائهم وتمتد ، وتأثر الباقين وراءهم باستشهادهم يقوى ويمتد . فهم ما يزالون عنصرا فعالا دافعا مؤثرا في تكييف الحياة وتوجيهها ، وهذه هي صفة الحياة الأولى . فهم أحياء أولا بهذا الاعتبار الواقعي في دنيا الناس . ثم هم أحياء عند ربهم - إما بهذا الاعتبار ، وإما باعتبار آخر لا ندري نحن كنهه . وحسبنا إخبار اللّه تعالى به : « أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ » . . لأن كنه هذه الحياة فوق إدراكنا البشري القاصر المحدود . ولكنهم أحياء . أحياء . ومن ثم لا يغسلون كما يغسل الموتى ، ويكفنون في ثيابهم التي استشهدوا فيها . فالغسل تطهير للجسد الميت وهم أطهار بما فيهم من حياة . وثيابهم في الأرض ثيابهم في القبر لأنهم بعد أحياء . أحياء . فلا يشق قتلهم على الأهل والأحباء والأصدقاء . أحياء يشاركون في حياة الأهل والأحباء والأصدقاء . أحياء فلا يصعب فراقهم على القلوب الباقية خلفهم ، ولا يتعاظمها الأمر ، ولا يهولنا عظم الفداء .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي . ( 2 ) أخرجه الشيخان . ( 3 ) أخرجه الترمذي .