سيد قطب

144

في ظلال القرآن

ثم هم بعد كونهم أحياء مكرمون عند اللّه ، مأجورون أكرم الأجر وأوفاه : في صحيح مسلم : « إن أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر تسرح في الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش ، فاطلع عليهم ربك اطلاعة . فقال : ما ذا تبغون ؟ فقالوا : يا ربنا . وأي شيء نبغي وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك ؟ ثم عاد عليهم بمثل هذا . فلما رأوا أنهم لا يتركون من أن يسألوا قالوا : نريد أن تردنا إلى الدار الدنيا فنقاتل في سبيلك حتى نقتل فيك مرة أخرى - لما يرون من ثواب الشهادة - فيقول الرب جل جلاله : إني كتبت أنهم إليها لا يرجعون » . . وعن أنس رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا ، وله ما على الأرض من شيء . إلا الشهيد ، ويتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات ، لما يرى من الكرامة . ( أخرجه مالك والشيخان ) . ولكن من هم هؤلاء الشهداء الأحياء ؟ إنهم أولئك الذين يقتلون « فِي سَبِيلِ اللَّهِ » . . في سبيل اللّه وحده ، دون شركة في شارة ولا هدف ولا غاية إلا اللّه . في سبيل هذا الحق الذي أنزله . في سبيل هذا المنهج الذي شرعه . في سبيل هذا الدين الذي اختاره . . في هذا السبيل وحده ، لا في أي سبيل آخر ، ولا تحت أي شعار آخر ، ولا شركة مع هدف أو شعار . وفي هذا شدد القرآن وشدد الحديث ، حتى ما تبقى في النفس شبهة أو خاطر . . غير اللّه . . عن أبي موسى - رضي اللّه عنه - قال : سئل رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - عن الرجل يقاتل شجاعة ، ويقاتل حمية ، ويقاتل رياء . أي ذلك في سبيل اللّه ؟ فقال : « من قاتل لتكون كلمة اللّه هي العليا فهو في سبيل اللّه » . . ( أخرجه مالك والشيخان ) . وعن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - أن رجلا قال : يا رسول اللّه : رجل يريد الجهاد في سبيل اللّه وهو يبتغي عرضا من الدنيا ؟ فقال : « لا أجر له » . فأعاد عليه ثلاثا . كل ذلك يقول : « لا أجر له » . ( أخرجه أبو داود ) . وعنه - رضي اللّه عنه - قال : قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : تضمن اللّه تعالى لمن خرج في سبيل اللّه . لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي وإيمان بي وتصديق برسلي . . فهو عليّ ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة . والذي نفس محمد بيده ، ما من كلم يكلم في سبيل اللّه إلا جاء يوم القيامة كهيئته يوم كلم ، لونه لون دم وريحه ريح مسك . والذي نفس محمد بيده لولا أن أشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل اللّه عزّ وجل أبدا . ولكن لا أجد سعة فأحملهم ، ولا يجدون سعة فيتبعوني ويشق عليهم أن يتخلفوا عني . والذي نفس محمد بيده لوددت أن أغزو في سبيل اللّه فأقتل ، ثم أغزو فأقتل ، ثم أغزو فأقتل » ( أخرجه مالك والشيخان ) . فهؤلاء هم الشهداء . هؤلاء الذين يخرجون في سبيل اللّه ، لا يخرجهم إلا جهاد في سبيله ، وإيمان به ، وتصديق برسله . ولقد كره رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لفتى فارسي يجاهد أن يذكر فارسيته ويعتز بجنسيته في مجال الجهاد : عن عبد الرحمن بن أبي عقبة عن أبيه ( وكان مولى من أهل فارس ) قال : ( شهدت مع النبي - صلى اللّه عليه وسلم - أحدا . فضربت رجلا من المشركين ، فقلت : خذها وأنا الغلام الفارسي . فالتفت إليّ النبي - صلى اللّه عليه وسلم - فقال : « هلا قلت : وأنا الغلام الأنصاري ؟ إن ابن أخت القوم منهم ، وإن مولى