أحمد مصطفى المراغي

265

تفسير المراغي

المعنى الجملي هذه السورة تضمنت أهمّ الأركان التي قامت عليها رسالة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وهي توحيد اللّه وتنزيهه ، وتقرير الحدود العامة للأعمال ، ببيان الصالحات وما يقابلها ، وأحوال النفس بعد الموت من البعث وملاقاة الجزاء من ثواب وعقاب ، وقد ورد في الخبر : « إنها تعدل ثلث القرآن » لأن من عرف معناها ، وتدبر ما جاء فيها حق التدبر ، علم أن ما جاء في الدين من التوحيد والتنزيه تفصيل لما أجمل فيها . الإيضاح ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) أي قل لمن سألك عن صفة ربك : اللّه هو الواحد المنزه عن التركيب والتعدّد ، لأن التعدد في الذات مستلزم لافتقار المجموع إلى تلك الأجزاء واللّه لا يفتقر إلى شئ . ( اللَّهُ الصَّمَدُ ) أي هو اللّه الذي يقصده العباد ويتوجهون إليه ، لقضاء ما أهمهم دون واسطة إلى شفيع ؛ وبهذا أبطل عقيدة مشركي العرب الذين يعتقدون بالوسائط والشفعاء ، وعقيدة غيرهم من أهل الأديان الأخرى الذين يعتقدون بأن لرؤسائهم منزلة عند ربهم ينالون بها التوسط لغيرهم في نيل مبتغاهم ، فيلجئون إليهم أحياء وأمواتا ، ويقومون عند قبورهم خاضعين خاشعين ، كما يخشعون للّه أو أشد خشية . ( لَمْ يَلِدْ ) أي تنزه ربنا عن أن يكون له ولد ، وفي هذا ردّ لمزاعم مشركي العرب الذين زعموا أن الملائكة بنات اللّه ، ولمزاعم النصارى الذين قالوا : المسيح ابن اللّه ، اقرأ إن شئت قوله تعالى : « فَاسْتَفْتِهِمْ أَ لِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ ؟ أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ : وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ » . ( وَلَمْ يُولَدْ ) لأن ذلك يقتضى مجانسته لسواه ، وسبق العدم قبل الوجود - تنزه ربنا عن ذلك .