أحمد مصطفى المراغي
263
تفسير المراغي
بين الناس : هو يحمل الحطب بينهم ، كأنه بعمله يحرق ما بينهم من صلات . وقيل إنها كانت تحمل حزم الشوك والحسك والسّعدان ، وتنثرها بالليل في طريق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لإيذائه . وقد زاد سبحانه في تبشيع عملها وتقبيح صورته فقال : ( فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ) أي في عنقها حبل مما مسد من الحبال أي أحكم فتله ، وقد صوّرها اللّه بصورة من تحمل تلك الحزمة من الشوك وتربطها في جيدها كبعض الحطّابات الممتهنات احتقارا لها ، واحتقارا لبعلها ، حين اختارت ذلك لنفسها . وقصارى أمرها - إنها في تكليف نفسها المشقة الفادحة ، للإفساد بين الناس وإيقاد نيران العداوة بينهم ، بمنزلة حاملة الحطب التي في عنقها حبل خشن تشدّ به ما تحمله إلى عنقها حين تستقلّ به ، وهذه أبشع صورة تظهر بها امرأة تحمل الحطب وهي على تلك الحال . ويرى بعض العلماء أن المراد بيان حالها وهي في نار جهنم ، إذ تكون على الصورة التي كانت عليها في الدنيا ، حين كانت تحمل الشوك إيذاء لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؛ فهي لا تزال تحمل حزمة من حطب النار ، ولا يزال في جيدها حبل من سلاسلها ، ليكون جزاؤها من جنس عملها ؛ فقد روى عن سعيد بن المسيّب أنه قال : كانت لأم جميل قلادة فاخرة فقالت : لأنفقنّها في عداوة محمد ، فأعقبها اللّه حبلا في جيدها من مسد النار . نسأل اللّه الوقاية من النار ، والبعد من الصدّ عن دينه وكتابه ، إنه هو السميع العليم .