أحمد مصطفى المراغي

234

تفسير المراغي

والحق : هو ما تقرر من حقيقة ثابتة أرشد إليها دليل قاطع ، أو عيان ومشاهدة ، أو شريعة صحيحة جاء بها نبي معصوم ، والصبر : قوة للنفس تدعوها إلى احتمال المشقة في العمل الطيب ، وتهوّن عليها احتمال المكروه في سبيل الوصول إلى الأغراض الشريفة . والتواصي بالحق : أن يوصى بعضهم بما لا سبيل إلى إنكاره وهو كل فضيلة وخير ، والتواصي بالصبر : أن يوصى بعضهم بعضا به ويحثه عليه ، ولا يكون ذلك نافعا مقبولا إلا إذا كمّل المرء نفسه به وإلا صدق عليه قول أبى الأسود الدؤلي : يا أيها الرجل المعلم غيره * هلا لنفسك كان ذا التعليم تصف الدواء لذي السّقام وذي الضنى * كيما يصح به وأنت سقيم الإيضاح ( وَالْعَصْرِ ) أقسم ربنا سبحانه بالدهر لما فيه من أحداث وعبر يستدل به على قدرته وبالغ حكمته وواسع علمه ، انظر إلى ما فيه من تعاقب الليل والنهار وهما آيتان من آيات اللّه كما قال : « وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ » وإلى ما فيه : من سراء وضراء ، وصحة وسقم ، وغنى وفقر ، وراحة وتعب ، وحزن وفرح ، إلى نحو ذلك مما يسترشد به حصيف الرأي إلى أن للكون خالقا ومدبرا ، وهو الذي ينبغي أن يوجه إليه بالعبادة ويدعى لكشف الضر وجلب الخير - إلى أن الكفار كانوا يضيفون أحداث السوء إلى الدهر ، فيقولون هذه نائبة من نوائب الدهر ، وهذا زمان بلاء ، فأرشدهم سبحانه إلى أن الدهر خلق من خلقه ، وأنه ظرف تقع فيه الحوادث خيرها وشرّها ، فإن وقعت للمرء مصيبة فبما كسبت يداه ، وليس للدهر فيها من سبب . ( إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ ) أي إن هذا الجنس من المخلوقات - لخاسر في أعماله ضربا من الخسران إلا من استثناهم اللّه ، فأعمال الإنسان هي مصدر شقائه ، لا الزمان