أحمد مصطفى المراغي

235

تفسير المراغي

ولا المكان ، وهي التي توقعه في الهلاك ، فذنب المرء في حق بارئه ، ومن يمنّ عليه بنعمه الجليلة ، وآلائه الجسيمة ، جريمة لا تعد لها جريمة أخرى . ( إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) فاعتقدوا اعتقادا صحيحا أن للعالم كله إلها خالقا قادرا يرضى عن المطيع ، ويغضب على العاصي ، وأن هناك فرقا بين الفضيلة والرذيلة ، فدفعهم ذلك إلى عمل البر والخير - وجماع ذلك نفع المرء نفسه ونفعه للناس أجمعين . وخلاصة أمرهم - أنهم باعوا الفاني الخسيس ، واشتروا الباقي النفيس ، واستبدلوا الباقيات الصالحات بالغاديات الرائحات ، فيا لها من صفقة ما أربحها ، ومنقبة جامعة للخير ما أوضحها . ( وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ ) أي وأوصى بعضهم بعضا بالأمر الثابت الذي لا سبيل إلى إنكاره ، ولا زوال في الدارين لمحاسن آثاره ، وهو الخير كله من إيمان باللّه عزّ وجل واتباع لكتبه ورسله في كل عقد وعمل . ( وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ ) أي وأوصى بعضهم بعضا بالصبر عن المعاصي التي تشتاق إليها النفس بحكم الجبلة البشرية ، وعلى الطاعات التي يشق عليها أداؤها ، وعلى ما يبتلى اللّه تعالى به عباده من المصائب ويتلقاها بالرضا ظاهرا وباطنا ، فلا بد للنجاة من الخسران أن يعرف الناس الحق ويلزموه أنفسهم ويمكّنوه من قلوبهم ، ثم يحمل بعضهم بعضا على سلوك طريقه ، وأن يبعدوا بأنفسهم وبغيرهم عن الأوهام والخيالات التي لا قرار للنفوس عليها ، ولا دليل يهدى إليها . وخلاصة ما سلف - إن الناس جميعا في خسران إلا من اتصفوا بأربعة أشياء : الإيمان ، والعمل الصالح ، والتواصي بالحق ، والتواصي بالصبر ، فيعملون الخير ويدعون إلى العمل به ، ولا يزحزحهم عن الدعوة إليه ما يلاقونه من مشقة وبلاء . والإنسان جميعه خسر مساعيه وضلّ مناهجه ، وصرف عمره في غير مطالبه ، فهو قد جاء إلى الأرض ليخلص نفسه من الرذائل ويتحلى بالفضائل ، حتى إذا رجع