أحمد مصطفى المراغي

12

تفسير المراغي

وقد جعله اللّه حدا تنتهى عنده الدنيا ، وتجتمع فيه الخلائق ، ليرى كل امرئ ما قدمت يداه ، فيجازى المحسن بإحسانه ، ويعاقب المسئ بإساءته . ثم بين هذا اليوم وزاد في تفخيمه وتهويله فقال : ( يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً ) أي يوم ينفخ في الصور فتحيون وتبعثون من قبوركم وتأتون إلى الموقف من غير تلبث ، وإمام كل أمة رسولها كما قال سبحانه « يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ » . ( وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً ) أي وانشقت السماء وتصدعت . وقد جاء نحو هذا في آيات كثيرة كقوله : « إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ » . وقوله : « إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ » . وقوله : « يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ » . ذاك أنه يحصل اضطراب في نظام الكواكب ، فيذهب التماسك بينها ، ولا يكون فيما يسمى سماء إلا مسالك وأبواب ، لا يلتقى فيها شئ بشيء ، وذلك هو خراب العالم العلوي كما يخرب الكون السفلى . ( وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً ) أي إن الجبال لا تكون في ذلك اليوم على ثباتها المعروف . بل يذهب ما كان لها من قرار وتعود كأنها سراب يرى من بعد . فإذا قربت منه لم تجد شيئا . لتفرق أجزائها وانبثاث جواهرها . والخلاصة - إنه سبحانه ذكر أحوال الجبال بوجوه مختلفة . فذكر أول أحوالها وهو الاندكاك بقوله : « وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً » ثم ذكر أنها تصير كالعهن المنفوش كما قال : « وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ » . ثم ذكر أنها تصير هباء كما قال : « وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا . فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا » ثم ذكر أنها تنسف وتحملها الرياح كما جاء في قوله : « وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ » ، ثم ذكر أنها تصير سرابا ، أي لا شئ كما في هذه الآية .