أحمد مصطفى المراغي

13

تفسير المراغي

وبعد أن عدّد وجوه إحسانه ، ودلائل قدرته على إرساله رسوله ، وذكر أن يوم الفصل بين الرسول ومعانديه سيكون يوم القيامة ، وبيّن أهوال هذا اليوم ، وامتياز شؤونه وأحواله عن شؤون أيام الدنيا وأحوالها - ذكر وعيد المكذبين وبيان ما يلاقونه فقال : ( إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً ) أي إن دار العذاب وهي جهنم مكان يرتقب فيه خزنتها من يستحقها بسوء أعماله ، وخبث عقيدته وفعاله . وروى ابن جرير وابن المنذر عن الحسن أنه قال : لا يدخل أحد الجنة حتى يجتاز النار ، فإن كان معه جواز نجا ، وإلا احتبس . ( لِلطَّاغِينَ مَآباً ) أي إنها مرجع للذين طغوا وتكبروا ولم يستمعوا إلى الداعي الذي جاءهم بالهدى ونور الحق . وبعد أن ذكر أن جهنم مستقرهم بيّن مدة ذلك فقال : ( لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً ) أي إنهم سيمكثون فيها دهورا متلاحقة يتبع بعضها بعضا فكلما انقضى زمن تجدد لهم زمن آخر كما قال : « يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ » . ثم بين أحوالهم فيها فقال : ( لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً . إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً ) أي لا يذوقون في جهنم بردا يبرد حر السعير عنهم إلا الغساق ، ولا شرابا يرويهم من شدة العطش إلا الحميم ، فهم لا يذوقون مع شدة الحر ما يكون فيه راحة من ريح باردة ، أو ظل يمنع من نار ، ولا يجدون شرابا فيسكن عطشهم ، ويزيل الحرقة من بواطنهم ، ولكن يجدون الماء الحار المغلى ، وما يسيل من جلودهم من الصديد والقيح والعرق ، وسائر الرطوبات المستقذرة . والخلاصة - إنهم لا يذوقون فيها شرابا إلا الحميم البالغ الغاية في السخونة ، أو الصديد المنتن ، ولا بردا إلا الماء الحار المغلى .