أحمد مصطفى المراغي
19
تفسير المراغي
الإيضاح ( وَالطُّورِ . وَكِتابٍ مَسْطُورٍ . فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ ) أقسم سبحانه بهذا الجبل العظيم الشأن الذي كلم فوقه موسى ، وأنزل عليه التوراة التي كتبت بنظام بديع ، مرتب الحروف ، في رق منشور ، يسهل على كل أحد أن يطلع على ما فيها من حكم وأحكام ، وآداب وأخلاق . ( وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ ) أي والكعبة التي يعمرها عشرات الآلاف الذين يهرعون إليها كل عام من أرجاء المعمورة ، وينسلون إليها من كل حدب ، كما يعمرها المجاورون لها تبركا بالعبادة فيها ، وطلبا لقبولها عند ربهم . ( وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ ) أي والعالم العلوي وما حوى من شموس وأقمار ، وكواكب ثابتة وسيارات ، وما فيه من عرشه وكرسيه وملائكته الذين لا يعصون اللّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، وما فيه من عوالم لا يحصى عدتها إلا هو ، ومن جنود لا يعلم حقيقتها إلا من ذرأها كما قال « وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ » . ( وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ) أي والبحر المحبوس من أن يفيض فيغرق جميع ما على الأرض ولا يبقى ولا يذر من حيوان ونبات ، فيفسد نظام العالم وتعدم الحكمة التي لأجلها خلق . وقد يكون المعنى - والبحر الموقد في باطن الأرض بمنزلة التنّور المحمى ، وقد بينا هذا فيما سبق . ثم ذكر ما أقسم عليه فقال : ( إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ . ما لَهُ مِنْ دافِعٍ ) أي إن عذاب يوم القيامة لمحيط بالكافرين المكذبين بالرسل ، لا يدفعه عنهم دافع ، ولا يجدون من دونه مهربا ، جزاء ما دنّسوا به أنفسهم من الشرك والآثام ، ودسّوا به أرواحهم من التكذيب بالرسل واليوم الآخر .