أحمد مصطفى المراغي
31
تفسير المراغي
ثم ذكر مآل أمرهم بعدها فقال : ( فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ ) أي فجاءتهم الريح فدمرتهم ، فصاروا بعد الهلاك لا يرى إلا آثار مساكنهم ، إذ قد اجتاحت الأموال ، وأذهبت الأنفس ، وجعلتها أثرا بعد عين . روى عن ابن عباس : أن أول ما عرفوا أنه عذاب أليم أنهم رأوا ما كان في الصحراء من رحالهم ومواشيهم تطير به الريح بين السماء والأرض فدخلوا بيوتهم وغلّقوا أبوابهم ، فقلعتها الريح وصرعتهم : وأحال اللّه عليهم الرمال فكانوا تحتها سبع ليال وثمانية أيام ، ثم كشفت الريح عنهم الرمال فاحتملتهم فطرحتهم في البحر . أخرج مسلم والترمذي والنسائي عن عائشة رضى اللّه عنها قالت : « كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم إذا عصفت الريح قال : اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به ، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به ، فإذا أخيلت السماء تغير لونه صلّى اللّه عليه وسلّم وخرج ودخل ، وأقبل وأدبر ، فإذا مطرت سرّى عنه ، فسألته ؛ فقال عليه السلام لا أدرى لعلّه كما قال قوم عاد ( هذا عارض ممطرنا ) » . و أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة قالت : « ما رأيت رسول اللّه مستجمعا ضاحكا حتى أرى منه لهواته « 1 » وإنما كان يبتسم ، وكان إذا رأى غيما وريحا عرف ذلك في وجهه ، قلت يا رسول اللّه : الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر ، وأراك إذا رأيته عرف في وجهك الكراهية ، قال : يا عائشة وما يؤمّننى أن يكون فيه عذاب ، عذّب قوم بالريح ، وقد رأى قوم العذاب فقالوا هذا عارض ممطرنا » . و في صحيح مسلم عن ابن عباس أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال « نصرت بالصّبا ، وأهلكت عاد بالدّبور . « 2 » »
--> ( 1 ) واحدها لهاة : وهي اللحمة المشرفة على الحلق في أقصى سقف الفم . ( 2 ) الصبا : ريح الشمال ، والدبور : ريح الجنوب .