أحمد مصطفى المراغي

32

تفسير المراغي

قال شاعرهم يحكى هذا القصص فيما رواه ابن الكلبي : فدعا هود عليهم * دعوة أضحوا همودا عصفت ريح عليهم * تركت عادا خمودا سخّرت سبع ليال * لم تدع في الأرض عودا ( كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ) أي كما جازينا عادا بكفرهم باللّه ذلك العقاب في الدنيا ، فأهلكناهم بعذابنا ، كذلك نجزى كل مجرم كافر باللّه متماد في غيّه . ولا يخفى ما في هذا من التهديد والوعيد الشديد . ثم أخبر سبحانه عن قوة عاد بقوله : ( وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ ) أي ولقد مكنا عادا الذين أهلكناهم بكفرهم فيما لم نمكنكم فيه من الدنيا ، وأعطيناهم منها ما لم نعطكم مثله ولا قريبا منه ، من الأموال الكثيرة ، وبسطة الأجسام ، وقوة الأبدان - وهم على ذلك ما نجوا من عقاب اللّه ، فتدبروا أمركم ، وفكروا فيما تعملون قبل أن يحل بكم العذاب ، ولا تجدون منه مهربا . ونحو الآية قوله « كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ » . ( وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ ) أي إنا فتحنا عليهم أبواب نعمنا ، فأعطيناهم سمعا فما استعملوه في سماع الأدلة والحجج ليعتبروا ويتذكروا ، وأعطيناهم أبصارا ليروا ما نصبناه من الشواهد الدالة على وجودنا فما انتفعوا بها ، وأعطيناهم قلوبا تفقه حكمة اللّه في خلق الأكوان فما استفادوا منها ما يفيدهم في آخرتهم ويقرّبهم من جوار ربهم ، بل صرفوها في طلب الدنيا ولذاتها ، لا جرم لم ينفعهم ما أعطيناهم من السمع والأبصار والأفئدة ، إذ لم يستعملوها فيما خلقت له من شكر من أنعم بها ودوام عبادته .