أحمد مصطفى المراغي

18

تفسير المراغي

ثم بين سبحانه مدة حمله وفصاله فقال : ( وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً ) أي ومدة حمله وفصاله ثلاثون شهرا تكابد الأمّ فيها الآلام الجسمية والنفسية ، فتسير الليالي ذوات العدد إذا مرض ، وتقوم بغذائه وتنظيفه وكل شؤونه بلا ضجر ولا ملل ، وتحزن إذا اعتل جسمه أو ناله مكروه يؤثّر في نموّه وحسن صحته . وفي الآية إيماء إلى أن أقل الحمل ستة أشهر ، لأن أكثر مدة الإرضاع حولان كاملان لقوله تعالى : « وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ » فلم يبق للحمل إلا ستة أشهر ، وبذلك يعرف أقل الحمل وأكثر الإرضاع . وأول من استنبط هذا الحكم منها علىّ كرم اللّه وجهه ووافقه عليه عثمان وجمع من الصحابة رضى اللّه عنهم . روى محمد بن إسحاق صاحب السيرة عن معمر بن عبد اللّه الجهني قال : تزوج منا رجل من امرأة من جهينة فولدت له لتمام ستة أشهر ، فانطلق زوجها إلى عثمان رضى اللّه عنه فذكر ذلك له ، فبعث إليها ، فلما قامت لتلبس ثيابها بكت أختها ، فقالت لها : وما يبكيك ؟ فو اللّه ما التبس بي أحد من خلق اللّه تعالى غيره قط ، فيقضى اللّه فىّ ما شاء ، فلما أتى بها عثمان أمر برجمها ، فبلغ ذلك عليا فأتاه فقال ما تصنع ؟ قال ولدت لتمام ستة أشهر وهل يكون ذلك ؟ فقال له علىّ : أما تقرأ القرآن ؟ قال بلى ، قال : أما سمعت اللّه عزّ وجل يقول ( وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً ) وقال : « حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ » فلم تجده أبقى إلا ستة أشهر ، فقال عثمان : واللّه ما فطنت لهذا ، علىّ بالمرأة ، فوجدها قد فرغ منها ، قال معمر فو اللّه ما الغراب بالغراب ولا البيضة بالبيضة بأشبه منه بأبيه ، فلما رآه أبوه قال : ابني واللّه لا أشك فيه . و عن ابن عباس أنه كان يقول : إذا ولدت المرأة لتسعة أشهر كفاها من الرضاع