أحمد مصطفى المراغي
11
تفسير المراغي
يعلموا حقيقة ما أوحينا به إليك وأنه الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وأن وعده صادق وأنه مظهر دينك على الأديان كلها . والخلاصة - سنيسر لهم من الفتوح ما لم يتيسر لأحد ممن قبلهم ، ونظهرهم على الجبابرة والأكاسرة ، ونجرى على أيديهم من الأمور الخارجة عن المعهود ، الخارقة للعادة ، فيستبين لهم أن هذا القرآن هو الحق ، ومن ثمّ نصر حامليه ، وأظهرهم على أعدائهم في قليل من الزمان . ثم وبخهم على إنكارهم تحقق هذه الإراءة وحصولها فقال : ( أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ؟ ) أي كفى باللّه شهيدا على أفعال عباده وأقوالهم ، وهو يشهد بأن محمدا صادق فيما أخبر به عنه كما قال : « لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ » الآية ، وقوله : « قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً ؟ قُلِ اللَّهُ » . وقصارى ذلك - ألم تكفهم هذه الدلائل الكثيرة التي أوضحها سبحانه في هذه السورة وفي كل سور القرآن ، وفيها البيان الكافي لإثبات وحدانية اللّه وتنزيهه عن كل نقص ، وإثبات النبوة والبعث . وبعد أن أقام الأدلة ، وأوضح الحجج حتى لم يبق بعدها مقال لمتنعت ولا جاحد - بين سبب عنادهم واستكبارهم فقال : ( أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ ) أي إنهم في شك من البعث والجزاء ، واستبعادهم إحياء الموتى بعد تفرق أجزائهم ، وتبدد أعضائهم ، ومن ثم لا يلتفتون إلى النظر فيما ينفعهم عند لقائه كالتفكر في صدق نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم وأن القرآن حق لا شك فيه . ثم دفع مريتهم وشكهم في البعث وإعادة ما تفرق واختلط ، مما يتوهم منه عدم إمكان تمييزه فقال :