أحمد مصطفى المراغي
94
تفسير المراغي
كيف يصرفون عنها مع تعاضد الدواعي على الإقبال عليها وانتفاء الصوارف عنها ، وقيام الأدلة على صحتها ، وأنها في نفسها موجبة للتوحيد . ثم بين صفات هؤلاء المبطلين بقوله : ( الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا ) أي هم الذين كذبوا بالقرآن وبجميع ما أرسلنا به رسلنا ، من إخلاص العبادة له سبحانه ، والبراءة مما يعبد من دونه من الآلهة والأنداد ، والاعتراف بالبعث بعد الممات . ثم هددهم وأوعدهم على ما يفعلون فقال : ( فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ . إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ . فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ ) أي فسوف يعلم هؤلاء المكذبون حقيقة ما نخبرهم به وصدق ما هم به اليوم مكذبون من هذا الكتاب ، حين تجعل الأغلال والسلاسل في أعناقهم ، يسحبون بها في الحميم ، فينسلخ كل شئ عليهم من جلد ولحم وعروق ، ثم تملأ بهم النار . ونحو الآية قوله : ( ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ » وقوله : « خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ . ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ . ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ، إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ » . ثم ذكر أنهم يسألون سؤال تبكيت وتوبيخ عن آلهتهم التي كانوا يعبدونها فقال : ( ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ؟ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً ) أي ثم يسألون ويقال لهم : أين الأصنام التي كنتم تعبدونها من دون اللّه ليغيثوكم وينقذوكم مما أنتم فيه من البلاء والعذاب ؟ فيجيبون ويقولون : غابوا عنا وأخذوا طريقا غير طريقنا وتركونا في البلاء - لا ، بل الحق أننا ما كنا ندعوا في الدنيا شيئا يعتدّ به ، وهذا كما نقول حسبت أن فلانا شئ فإذا هو ليس بشيء ، إذا خبرته فلم تر عنده خيرا . والخلاصة - إنهم اعترفوا بأن عبادتهم إياها كانت عبادة باطلة .