أحمد مصطفى المراغي

57

تفسير المراغي

ثم وصف سبحانه شمول علمه بكل شئ وإن كان في غاية الخفاء فقال : ( يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ ) أي يعلم ربكم ما خانت أعين عباده وما نظرت به إلى ما لا يحل كما يفعل أهل الرّيب ، قال ابن عباس في الآية : هي الرجل يكون في القوم فتمر بهم المرأة فيريهم أنه يغضّ بصره عنها ، وإذا غضوا نظر إليها ، وإذا نظروا غض بصره عنها . وقد اطّلع اللّه من قلبه أنه ودّ أن ينظر إلى عورتها ، أخرجه ابن أبي شيبة وابن المنذر . ( وَما تُخْفِي الصُّدُورُ ) أي لا يخفى عليه شئ من أمورهم حتى ما يحدّثون به أنفسهم وتضمره قلوبهم . ( وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ ) أي واللّه يحكم بالعدل في الذي خانته الأعين بنظرها ، وأخفته الصدور من النوايا ، فيجزى الذين أغمضوا أبصارهم وصرفوها عن محارمه حذار الموقف بين يديه بالحسنى ، ويجزى الذين رددوا النظر ، وعزمت قلوبهم على مواقعة الفواحش جزاءهم الذي أوعدهم به في دار الدنيا . ( وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ ) أي والأوثان والآلهة التي يعبدها هؤلاء المشركون من قومك - لا يقضون بشيء لأنهم لا يعلمون شيئا ولا يقدرون على شئ ، فاعبدوا الذي يقدر على كل شئ ، ولا يخفى عليه شئ . وغير خاف ما في هذا من التهكم بآلهتهم . ( إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) أي إنه تعالى هو السميع لما تنطق به الألسنة ، البصير بما تفعلون من الأفعال ، وهو محيط بكل ذلك ومحصيه عليكم ، فيجازيكم عليه جميعا يوم الجزاء . ولا يخفى ما في هذا من الوعيد لهم على ما يقولون ويفعلون ، والتعريض بحال ما يدعون من دون اللّه .