أحمد مصطفى المراغي

121

تفسير المراغي

ثم وبختهم جلودهم على ما كانوا يفعلون في الدنيا فقالت لهم : ( وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ ) أي وما كنتم تستخفون حين تفعلون قبيح الأعمال ، وترتكبون عظيم الفواحش - بالحيطان والحجب حذرا من شهادة الجوارح عليكم ، بل كنتم تجاهرون بالكفر والمعاصي ، وتجحدون البعث والجزاء . قال عبد الأعلى بن عبد اللّه الشامي فأحسن : العمر ينقص والذنوب تزيد * وتقال عثرات الفتى فيزيد هل يستطيع جحود ذنب واحد * رجل جوارحه عليه شهود ؟ والمرء يسأل عن سنيه فيشتهى * تقليلها وعن الممات يحيد ( وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ ) أي ولكن ظننتم عند استتاركم من الناس مع عدم استتاركم من أعضائكم أن اللّه لا يعلم كثيرا مما كنتم تعملون من المعاصي فاجترأتم على فعلها . والخلاصة - إنكم كنتم في الدنيا تستترون عن الناس خوف الفضيحة والعار حين ارتكاب الذنوب ، وما ظننتم أن أعضاءكم وجسمكم الأثيرى الذي هو على صورة الجسم الظاهري قد سطرت فيه جميع أعمالكم ، كأنه لوح محفوظ لها ، فلذلك ما كنتم تستترون عنها بترك الذنوب . وفي الآية إيماء إلى أنه لا ينبغي للمؤمن أن تمر عليه حال إلا وهو يفكر في أن اللّه رقيب عليه ، كما قال أبو نواس : إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل * خلوت ولكن قل علىّ رقيب ولا تحسبنّ اللّه يغفل ساعة * ولا أنّ ما يخفى عليه يغيب أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود قال : « كنت مستترا بأستار الكعبة فجاء ثلاثة نفر قرشي وثقفيان ، أو ثقفى وقرشيان ، قليل فقه قلوبهم ، كثير شحم