أحمد مصطفى المراغي

122

تفسير المراغي

بطونهم ، فتكلموا بكلام لم أسمعه ، فقال أحدهم : أترون أن اللّه يسمع كلامنا هذا ؟ فقال الآخر : إنا إذا رفعنا أصواتنا سمعه ، وإذا لم نرفعه لم يسمعه ، فقال الآخر : إن سمع منه شيئا سمع كله ، قال : فذكرت ذلك للنبي صلّى اللّه عليه وسلم فأنزل اللّه عزّ وجل : « وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ - إلى قوله : مِنَ الْخاسِرِينَ » . ( وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ ) أي وهذا الظن الفاسد الذي قد كان منكم في الدنيا وهو أن اللّه لا يعلم كثيرا من قبائح أعمالكم ومساويها هو الذي أوقعكم في مواقع التلف والردى ، فصرتم اليوم من الهالكين ، إذ صرفتم ما منحتم من أسباب السعادة إلى الشقاء ، فكفرتم نعم الخالق والرازق ، وانهمكتم في الشهوات والمعاصي . أخرج أحمد وأبو داود والطيالسي وعبد ابن حميد ومسلم ، وأبو داود وابن ماجة وابن مردويه عن جابر قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « لا يموتنّ أحدكم إلا وهو يحسن الظن باللّه تعالى ، فإن قوما قد أرادهم سوء ظنهم باللّه فقال اللّه : « وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ » . قال العلماء : الظن قسمان : ( 1 ) حسن ؛ وهو أن يظن باللّه عزّ وجل الرحمة والفضل والإحسان ، قال صلّى اللّه عليه وسلم حكاية عن اللّه عزّ وجل « أنا عند ظن عبدي بي » . ( 2 ) قبيح ؛ وهو أن يظن أن اللّه يعزب عن علمه بعض الأفعال . وقال قتادة ، الظن نوعان : منج ومرد . ( 1 ) فالمنجى قوله : « إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ » وقوله : « الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ » . ( 2 ) والمردي هو قوله : « وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ » .