أحمد مصطفى المراغي
120
تفسير المراغي
ثم ذكر سبحانه أنهم لاموا جوارحهم على أداء الشهادة التي تلزمهم الحجة ، فحكى عنهم قولهم لها . ( وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا ؟ ) أي وقالوا على جهة اللوم والمؤاخذة لجلودهم حين شهدوا عليهم ، لم شهدتم علينا ؟ وقد كانوا في الدنيا مساعدين لهم على المعاصي ، فكيف يشهدون عليهم الآن ؟ . فأجابوهم حينئذ معتذرين : ( قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ ) أي قالوا : إن اللّه جعل فينا من الدلالات الفعلية ما يقوم مقام النطق ، بل ما هو أفصح منها ، فشهدنا عليكم بما فعلتم من القبائح . و في صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال : « كنا عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فضحك فقال : هل تدرون مم أضحك ؟ قلنا اللّه ورسوله أعلم ، قال : من مخاطبة العبد ربه ، يقول : ألم تجرنى من الظلم ؟ قال : يقول بلى . قال فيقول : فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدا منى . قال : يقول كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا ، وبالكرام الكاتبين شهودا : قال : فيختم على فيه فيقال لأركانه : انطقى ، فتنطق بأعماله ، قال ثم يخلّى بينه وبين الكلام ، قال : فيقول بعدا لكنّ وسحقا ، فعنكنّ كنت أناضل » . ( وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) فهو لا يخالف ولا يمانع ، وقد جعل فيكم دلائل واضحة كخطوط اليد والإبهام والأصوات وألوان الوجوه وأشكالها ، ولكنّ قليلا من الناس من يفطن إلى ذلك . فمن قدر على خلقكم وإنشائكم ابتداء قدر على إعادتكم ورجعكم إليه ، ومن ثم قال : ( وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) أي وإليه مصيركم بعد مماتكم ، فيجازى كل نفس بما كسبت . لا معقّب لحكمه ، وهو سريع الحساب .