أحمد مصطفى المراغي
119
تفسير المراغي
يقال أعتبنى فلان : أي أرضاني بعد إسخاطه إياي ، قال الخليل : تقول استعتبته فأعتبنى : أي استرضيته فأرضانى ، قال النابغة في اعتذار يأته للنعمان بن المنذر : فإن أك مظلوما فعبد ظلمته * وإن يك ذا عتبى فمثلك يعتب المعنى الجملي بعد أن بين كيف عاقب أولئك الجاحدين في الدنيا وأذاقهم عذاب الهون بما كانوا يكسبون - أردف ذلك ذكر عقابهم في الآخرة ، ليكون ذلك أتمّ للزجر ، وأكثر في الاعتبار لمن اعتبر . الإيضاح ( وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ) أي واذكر أيها الرسول لقريش المعاندين لك حال الكفار يوم القيامة ، لعلهم يرتدعون ويزدجرون حين يساقون إلى النار ، فيحبس أولهم على آخرهم ليتلاحقوا ويجتمعوا قاله السدى وقتادة وغيرهما . وفي هذا إيماء إلى كثرة عددهم وشدة سوقهم ودفعهم . ( حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ) أي حتى إذا وقفوا على النار شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجوارحهم بما كانوا يعملون في الدنيا من المعاصي ، بعلامات متمايزة تدل على الأخلاق المختلفة ، لكل خلق منها علامة خاصة نحن لا نعرف الآن كنهها ، وربما كانت سوائل روحية ، كل سائل يدل على خلق من الأخلاق كما يكون في أنواع النبات والشجر روائح مختلفة ، فالعلم والحلم والنشاط وجب الناس لها سوائل جميلة ، والجهل والطيش والكسل وبغض الناس لها سوائل رديئة ، وتلك السوائل تلازمهم فتكون مشقية لهم ومضايقة ، أو مفرحة لهم ومنعمة ، وهكذا الأجسام بعد الموت لا تشبه نفس نفسا أخرى في أوصافها ، فهذه هي الشهادة التي تشهد بها أسماعهم وأبصارهم وجلودهم .