أحمد مصطفى المراغي

117

تفسير المراغي

وإن بطشه لشديد ، وإنه لقادر على أن ينزل بهم من أنواع عقابه ما شاء ، فيقول : ( كُنْ فَيَكُونُ ) * . ( وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ ) أي وكانوا يعرفون أن آياتنا التي أنزلناها على رسلنا حق لا مرية فيها ، ولكنهم جحدوها وعصوا رسله . وقد يكون المراد : إنهم جحدوا الأدلة التكوينية التي نصبناها لهم ، وجعلناها حجة عليهم . ثم ذكر سبحانه ما أنزل عليهم من عذابه فقال : ( فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً ) أي فأرسلنا عليهم ريحا باردة تهلك بشدة بردها ، وإذا هبت سمع لها صوت قوىّ لتكون عقوبة لهم من جنس ما اغتروا به . ثم بين سبحانه وقت نزول العذاب عليهم فقال : ( فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ ) أي في أيام مشئومات نكدات متتابعات كما قال في آية أخرى : « سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً » . ثم بين الغاية التي من أجلها نزل العذاب فقال : ( لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ) أي أنزلنا عليهم هذا العذاب كي نذيقهم الذل والهوان في الحياة الدنيا بسبب ذلك الاستكبار . ثم أرشد إلى أن هذا العذاب هين يسير إذا قيس بعذاب الآخرة فقال : ( وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ ) أي ولعذاب الآخرة أشد إهانة وخزيا من عذاب الدنيا ، وهم لا يجدون إذ ذاك نصيرا ولا معينا يدفعه عنهم . وبعد أن ذكر قصص عاد أتبعه بقصص ثمود فقال : ( وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى ) أي وأما ثمود فبينا لهم الحق على لسان نبيهم صالح ، ودللناهم على سبل النجاة بنصب الأدلة التكوينية ، وإنزال الآيات التشريعية ، فكذبوه واستحبوا العمى على الهدى ، والكفر على الإيمان .