أحمد مصطفى المراغي

10

تفسير المراغي

( وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ ) أي وجعلنا لسير القمر منازل ، وهي ثمانية وعشرون منزلا ينزل في كل واحد منها كل ليلة ثم يستتر ليلتين أو ليلة إذا نقص الشهر ، فإذا كان في آخر منازله دقّ وتقوس ، وهذا ما يشير إليه قوله : ( حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ) أي يسير في منازله إلى آخرها حتى يدقّ ويتقوس ويصفرّ ويكون كالعود الذي عليه الشماريخ إذا أتى عليه الحول . ( لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ ) أي لا يصح للشمس ولا يسهل عليها أن تدرك القمر في سرعة سيره ، لأن الشمس تجرى مقدار درجة في اليوم ، والقمر يسير مقدار 13 درجة في اليوم ، ولأن لكل منهما مدارا خاصا لا يجتمع مع الآخر فيه . ( وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ ) أي ولا تسبق آية الليل وهي القمر ، آية النهار وهي الشمس فيحل سلطانه محلها ، إذ أنهما يجريان بحساب منتظم لا يتغير ولا يتبدل . ( وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ) أي وكل من : الأرض والشمس والقمر يسبح في فلكه كما يسبح السمك في الماء ، فالشمس تجرى في مدارها ، والأرض تجرى حول الشمس في سنة وحول نفسها في يوم وليلة ، والقمر يجرى حول الأرض كل شهر . وعلماء الفلك قديما جعلوا الكواكب مركوزة في الأفلاك على ما نراه في كتبهم فليس للكوكب أن يسبح من تلقاء نفسه ، بل لا بد له من حامل يحمله وهو الذي يدور به ، وكيف يسبح ما لا حرية له ولا قدرة له على السير بل هو محمول على غيره ؟ هكذا كان الرأي عندهم ، ولكن رأى علماء الفلك المحدثين : أن جميع الكواكب تسير في مدارات في عالم الأثير ، فهي إذا كأنها سمك في بحر لجّى . فاعجب أيها القارئ الكريم للقرآن كيف أثبت ما دلّ على صحته الكشف