أحمد مصطفى المراغي

20

تفسير المراغي

فمن ظن أن الدهر باق سروره * فذاك محال لا يدوم سرور عفا اللّه عمن صيّر الهمّ واحدا * وأيقن أن الدائرات تدور ( وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ ) أي وإن الدار الآخرة لهى دار الحياة الدائمة التي لا زوال لها ولا انقطاع . ( لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ) أي لو كانوا يعلمون أن ذلك كذلك لما آثروا عليها الحياة الدنيا السريعة الزوال ، الوشيكة الاضمحلال . ثم أخبر بأن تلك حال المشركين في الرخاء ، فإذا ابتلوا بالشدائد دعوا اللّه وحده ليخلصهم منها كما قال : ( فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) أي فإذا ركب هؤلاء المشركون في السفينة وخافوا الغرق ، دعوا اللّه وحده ، وأفردوا له الطاعة ، ولم يستغيثوا بآلهتهم وأندادهم ، ليخلصوهم من تلك الشدة ، فهلا يكون هذا منهم دائما ؟ ثم بين سرعة رجوعهم وعودتهم إلى ما كانوا عليه وشيكا فقال : ( فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ ) أي فلما خلّصهم مما كانوا فيه من الضيق ، ونجاهم من الهلاك ، ووصلوا إلى البر ، رجعوا القهقرى ، وعادوا سيرتهم الأولى ، وجعلوا مع اللّه الشركاء ، ودعوا الآلهة والأنداد . ونحو الآية قوله « وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ ، فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً » . روى محمد بن إسحاق في السيرة عن عكرمة بن أبي جهل قال : « لما فتح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مكة ذهبت فارّا منها ، فلما ركبت البحر إلى الحبشة اضطربت بنا السفينة ، فقال أهلها : يا قوم أخلصوا لربكم الدعاء ، فإنه لا منجّى هاهنا إلا هو ، فقال عكرمة : لئن كان لا ينجى في البحر غيره فإنه لا ينجى في البر أيضا غيره ، اللهم لك علىّ عهد ، لئن خرجت لأذهبنّ فلأضعن يدي في يد محمد فلأجدنّه رؤوفا رحيما فكان كذلك » .