أحمد مصطفى المراغي
21
تفسير المراغي
وقال عكرمة : كان أهل الجاهلية إذا ركبوا في البحر حملوا معهم الأصنام ، فإذا اشتد عليهم الريح ألقوها فيه وقالوا يا رب يا رب . قال الرازي في اللوامع : وهذا دليل على أن معرفة الرب في فطرة كل إنسان ، وأنهم إن غفلوا في السراء فلا شك أنهم يلوذون إليه في حال الضراء ا ه . ( لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا ) أي يشركون لتكون عاقبة أمرهم الكفران بما آتيناهم من نعمة النجاة ، وليتمتعوا باجتماعهم على عبادة الأصنام وتوادّهم عليها . ثم تهددهم وتوعدهم فقال : ( فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ) عاقبة ذلك حين يعاقبون يوم القيامة . [ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 67 إلى 69 ] أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَ فَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ ( 67 ) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُ أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ ( 68 ) وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ( 69 ) المعنى الجملي بعد أن ذكر أن المشركين حين يشتد بهم الخوف إذا ركبوا في الفلك ونحوه لجئوا إلى اللّه وحده مخلصين له العبادة - ذكر هنا أنهم حين الأمن كما إذا كانوا في حصنهم الحصين وهو مكة التي يأمن من دخلها من الشرور والأذى يكفرون به ويعبدون معه سواه ، وتلك حال من التناقض لا يرضاها لنفسه عاقل ، فإن دعاءهم إياه حال الخوف مع الإخلاص ما كان إلا ليقينهم بأن نعمة النجاة منه لا من سواه ، فكيف يكفرون به حين الأمن ، وهم يوقنون بأن الأصنام حين الخوف لا تجديهم فتيلا ولا قطميرا ؟