أحمد مصطفى المراغي

82

تفسير المراغي

وخلاصة ذلك - إن تبعة غيّهم واقعة عليهم لا علينا ، إذ لم نلجئهم إلى ذلك ، بل كان منا مجرد الوسوسة فحسب ، فإن كان تسويلنا لهم داعيا إلى الكفر ، فقد كان في مقابلته دعاء اللّه لهم إلى الإيمان ، بما وضع من الأدلة العقلية ، وبعث إليهم من الرسل ، وأنزل إليهم من الكتب المشحونة بالوعد والوعيد والمواعظ والزواجر ، وناهيك بذلك صارفا عن الكفر داعيا إلى الإيمان . ونحو ذلك قوله حكاية عن الشيطان « إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ » وقوله لإبليس : « إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ » فقوله : إلا من اتبعك يدل على أن ذلك الاتباع من قبل أنفسهم ، لا من إلجاء الشيطان إلى ذلك . ثم زاد الجملة الأولى توكيدا بقوله : ( تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ) منهم ومما اختاروه من الكفر والمعاصي اتباعا لهوى أنفسهم ، فلا لوم علينا في الحقيقة بسببهم . ونحو الآية قوله : « إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ » . ثم ذكر ما هو كالعلة لنفى الشبهة عنهم فقال : ( ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ ) أي هم ما كانوا يعبدوننا ، وإنما كانوا يعبدون الأوثان بما زيّنت لهم أهواؤهم . ثم طلب إليهم دعاء الشركاء توبيخا لهم وتهكما بهم فقال : ( وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ ) أي وقيل للمشركين باللّه الآلهة والأنداد في الدنيا : ادعوا آلهتكم الذين زعمتم جهلا منكم شركتهم للّه ليدفعوا العذاب عنكم ، فدعوهم لفرط الحيرة وغلبة الدهشة ، فلم يجيبوهم عجزا منهم عن الإجابة .