أحمد مصطفى المراغي

69

تفسير المراغي

تعاونا على الدّجل والتضليل ، وخداع السّذج من الجماهير ، ولم يرسلهما ربهما لهداية البشر كما زعما ، وإنا لكافرون بكل منهما ، ولا نؤمن بما جاءا به . ثم أمر رسوله صلى اللّه عليه وسلم أن يتحدى قومه بأن يأتوا بكتاب أهدى للبشر ، وأصلح لحالهم في المعاش والمعاد من التوراة والقرآن فقال : ( قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) أي ائتوني بكتاب من عند اللّه أصلح لهداية البشر من التوراة والقرآن ، فإن جئتم به فإني لأتركهما وأتبع ما تجيئون به ، إن كنتم صادقين فيما تقولون ، جادّين فيما تدّعون . ثم توعدهم إذا هم نكصوا على أعقابهم ، ولم يلبّوا طلبه ، ولم يأتوا بالكتاب فقال : ( فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ ) أي فإن لم يفعلوا ما كلفتهم به فاعلم أنهم سادرون في غلوائهم ، متبعون لأهوائهم ، راكبون لرءوسهم ، حائدون عما يقتضيه الدليل والبرهان . ثم بين عاقبة من يتبع الهوى فقال : ( وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ ؟ ) أي ومن أضل عن طريق الرشاد وسبيل السداد ، ممن سار متبعا الهوى بغير بيان من اللّه وعهد منه بما ينزله على رسله بوحي منه . وفي هذا من التشنيع عليهم ، وتقبيح فعلهم ما لا يخفى على كل ذي لب . ثم بين سنته تعالى في خلقه فقال : ( إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) أي إن اللّه لا يوفّق لإصابة الحق واتباع سبيل الرشد ، من خالفوا أمره ، وتركوا طاعته ، وكذبوا رسله ، وبدّلوا عهده ، واتبعوا هوى أنفسهم ، إيثارا منهم لطاعة الشيطان على طاعة الرحمن . ولما أثبت نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم بين الحكمة في إنزال القرآن منجّما فقال : ( وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ) أي ولقد نزلنا عليهم القرآن متواصلا